" قال رجل: يا رسول الله إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال " أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم. " قال: فدين الله أحق " "
ا ه.
ورجال هذا الإسناد ثقات معروفون، لا كلام في أحد منهم، إلا الحكم بن أبان العدني. وقد قال فيه ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. قال ابن عيينة: أتيت عدن، فلم أر مثل الحكم بن أبان، وعده ابن حبان في الثقات. وقال: ربما أخطأ. وإنما وقع المناكير في روايته، من رواية ابنه إبراهيم عنه، وإبراهيم ضعيف. وحكى ابن خلفون: توثيقه عن ابن نمير، وابن المديني وأحمد بن حنبل ا ه. وقال ابن عدي: فيه ضعف. وقال ابن خزيمة في صحيحه: تكلم أهل ا لمعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره وبما ذكر تعلم صحة الاحتجاج بالحديث المذكور، وليس فيه نذر الحج.
وقال النسائي في سننه أيضا: أخبرنا عمران بن موسى قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا أبو التياح، قال: حدثني موسى بن سلمة الهذلي، أن ابن عباس قال:
" أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني، أن تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أمها ماتت، ولم تحج، أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: " نعم لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يكن يجزئ عنها فلتحج عن أمها " "
وهذا الإسناد صحيح. وفي لفظ عند النسائي أيضا، عن ابن عباس، بإسناد آخر:
" أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم، عن أبيها، مات ولم يحج. قال " حجي عن أبيك " "
وإسناده صحيح أيضا. وأخرج ابن ماجه نحوه من حديث ابن عباس بإسناد آخر صحيح.
وقال المجد في المنتقى: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
" أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: إن أبي مات، وعليه حجة الإسلام، أفأحج عنه؟ قال " أرأيت لو أن أباك ترك دينا عليه أقضيته عنه؟ " قال: نعم قال: " فاحجج عن أبيك " "
رواه الدارقطني. انتهى من المنتقى.
وقال الترمذي في سننه: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، نا عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عبدالله بن عطاء عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه قال:
" جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي ماتت، ولم تحج، أفأحج عنها؟ قال " نعم حجي عنها "
ا ه. ثم قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح ا ه. وأخرج البيهقي نحوه بإسناد صحيح.
وقال الشافعي في مسنده: أخبرنا سعيد بن سالم، عن حنظلة، سمعت طاوسا يقول:
" أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة، فقالت: إن أمي ماتت، وعليها حج قال " حجي عن أمك " "
ولا يخفى أن حديث الشافعي هذا مرسل، ولكنه معتضد بما تقدم من الأحاديث وبما سيأتي إن شاء الله.
وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: وحدثني علي بن حجر السعدي، حدثنا علي بن مسهر أبو الحسن،
" عن عبدالله بن عطاء، عن عبدالله بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه، قال: بينا أنا جالس، عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت قال: فقال " وجب أجرك وردها عليك الميراث، قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها " "
انتهى من صحيح مسلم.
فهذه الأحاديث وأمثالها: هي حجة من قال: إن من وجب عليه الحج في الحياة، وترك مالا وجب أن يحج عنه، وليست كلها ظاهرة في ذلك. ولكن بعضها ظاهر فيه كتشبيهه بدين الآدمي، ونحو ذلك مما تقدم. وأجاب المخالفون: بأن الحج أعمال بدنية، وإن كانت تحتاج إلى مال. والأعمال البدنية: تسقط بالموت، فلا وجوب لعمل بعد الموت، والذي يحج عنه متطوع، وفاعل خيرا قالوا: ووجه تشبيهه بالدين انتفاع كل منهما بذلك الفعل، فالمدين ينتفع بقضاء الدين عنه، والميت ينتفع بالحج عنه، ولا يلزم من قضاء الدين عن أحد، أن القضاء عنه واجب، بل يجوز أن يكون قضاؤه عنه غير واجب عليه.