أما الشافعي الذي قال العلة في تحريم الربا الطعم فقد استدل لذلك بما رواه مسلم في صحيحه حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبدالله بن وهب، أخبرني عمرو ح وحدثني أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن الحرث أن أبا النضر حدثه أن بسر بن سعيد حدثه عن معمر بن عبدالله أنه أرسل غلامه بصاع قمح.. الحديث، وفيه. فإني كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
" الطعام بالطعام مثلا بمثل "
وكان طعامنا يومئذ الشعير فهذا حديث صحيح صرح فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأن الطعام إذا بيع بالطعام بيع مثلا بمثل. والطعام في اللغة العربية اسم لكل ما يؤكل. قال تعالى
كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل
آل عمران 93 الآية، وقال
فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا المآء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا
عبس 24-28، وقال تعالى
وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم
المائدة 5 ولا خلاف في ذبائحهم في ذلك. وفي صحيح مسلم
" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في زمزم " إنها طعام طعم " "
وقال لبيد في معلقته
لمعقر فهد تنازع شلوه غبس كواسب ما يمن طعامها
يعني بطعامها فريستها. كما قدمنا هذا مستوفى في سورة " البقرة ". فالشافعي رحمه الله وإن سخر الظاهرية منه في تحريمه الربا في التفاح فهو متمسك في ذلك بظاهر حديث صحيح، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم
" الطعام بالطعام مثلا بمثل "
فما المانع للظاهرية من القول بظاهر هذا الحديث الصحيح على عادتهم التي يزعمون فيحكمون على الطعام بأنه مثل بمثل؟ وما مستندهم في مخالفة ظاهر هذا الحديث الصحيح؟ وحكمهم بالربا في البر والشعير والتمر والملح دون غيرها من سائر المطعومات، مع أن لفظ الطعام في الحديث المذكور عام للأربعة المذكورة وغيرها كما ترى، فهل الشافعي في تحريم الربا في التفاح أقرب إلى ظاهر النص أو الظاهرية؟ وكذلك سخريتهم من الإمام أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله في قولهما بدخول الربا في كل مكيل وموزون، مستهزئين بمن يقول بالربا في الأشنان قياسا على التمر. إذا تأملت فيه وجدت الإمامين رحمهما الله أقرب في ذلك إلى ظاهر النص من الظاهرية. قال الحاكم في المستدرك حدثنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه، ثنا الحسن بن مكرم روح بن عبادة، ثنا حيان بن عبيدالله العدوي قال سألت أبا مجلز عن الصرف فقال كان ابن عباس رضي الله عنهما لا يرى به بأسا زمانا من عمره ما كان منه عينا يعني يدا بيد، فكان يقول إنما الربا في النسيئة. فلقيه أبو سعيد الخدري فقال يا ابن عباس، ألا تتقي الله إلى متى تؤكل الناس الربا؟ أما بلغك
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم وهو عند زوجته أم سلمة " إني لأشتهي تمر عجوة " فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة. فقامت فقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه أعجبه، فتناول تمرة ثم أمسك فقال " من أين لكم هذا "؟ فقالت أم سلمة بعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فأتانا بدل صاعين هذا الصاع الواحد، وها هو، كل، فألقى التمرة بين يديه فقال " ردوه لا حاجة لي فيه. التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد، عينا بعين، مثلا بمثل فمن زاد فهو ربا " ثم قال كذلك ما يكال ويوزن أيضا " "
إلى آخره. ثم قال الحاكم رحمه الله هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة. وهذا الحديث الذي قال الحاكم إنه صحيح الإسناد، فيه التصريح بأن ما يكال ويوزن يباع مثلا بمثل، يدا بيد. وقد قدمنا مرارا أن الموصولات من صيغ العموم لعمومها في كل ما تشمله صلاتها. فأبو حنيفة مثلا القائل بالربا في الأشنان متمسك بظاهر هذا الحديث. فهو أقرب إلى ظاهر النص من الظاهرية المستهزئين به الزاعمين أنه بعيد في ذلك عن النص. فإن قيل هذا الحديث لا يحتج به لضعفه، وقد قال الذهبي متعقبا على الحاكم تصحيحه للحديث المذكور ما نصه قلت حيان فيه ضعف وليس بالحجة، وقد أشار البيهقي إلى تضعيف هذا الحديث، وأعله ابن حزم من ثلاثة أوجه الأول زعمه أنه منقطع. لأن أبا مجلز لم يسمع من أبي سعيد ولا من ابن عباس. الثاني أن في الحديث أن ابن عباس رجع عن القول بإباحة ربا الفضل. واعتقاد ابن حزم أن ذلك باطل لقول سعيد بن جبير إن ابن عباس لم يرجع عن ذلك. والثالث أن حيان بن عبيد الله المذكور في سند هذا الحديث مجهول. فالجواب عن ذلك كله هو ما ستراه الآن إن شاء الله، وهو راجع إلى شيئين الأول مناقشة من ضعف الحديث، وبيان أنه ليس بضعيف. والثاني أنا لو سلمنا ضعفه تسليما جدليا فهو معتضد بما يثبت الاحتجاج به من الشواهد. أما المناقشة في تضعيفه، فقول الذهبي إن حيان فيه ضعف وليس بالحجة معارض بقول أبي حاتم فيما ذكره عن ابنه في كتاب الجرح والتعديل إنه صدوق، ومعلوم أن الصحيح أن التعديل يقبل مجملا، والتجريح لا يقبل إلا مبينا مفصلا كما هو مقرر في علوم الحديث. وقد ترجم له البخاري في تاريخه الكبير ولم يذكر فيه جرحا.