تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو الغني الحميد

فاطر 15، ولكنه جل وعلا يشرع ويفعل لأجل مصالح الخلق المحتاجين الفقراء إليه. لا لأجل مصلحة تعود إليه هو سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. وادعاء كثير من أهل الأصول أن العلل الشرعية مطلق أمارات وعلامات للأحكام ناشئ عن ذلك الظن الباطل. فالله جل وعلا يشرع الأحكام لأجل العلل المشتملة على المصالح التي يعود نفعها إلى خلقه الفقراء إليه.

لا إلى الله جل وعلا

إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد

إبراهيم 8. وقد صرح تعالى وصرح رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه يشرع الأحكام من أجل الحكم المنوطة بذلك التشريع. وأصرح لفظ في ذلك لفظة من أجل وقد قال تعالى

من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل

المائدة 32 الآية، وقال صلى الله عليه وسلم

" إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ".

وقد قدمنا أمثلة متعددة لحروف التعليل في الآيات القرآنية الدالة على العلل الغائية المشتملة على مصالح العباد، وهو أمر معلوم عند من له علم بحكم التشريع الإسلامي. وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين عن رب العالمين بعد أن ذكر قول من منع القياس مطلقا، وقول من غلا فيه، وذكر أدلة الفريقين ما نصه قال المتوسطون بين الفريقين قد ثبت أن الله سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان. فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الإحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه، ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح. بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة، يصدق بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض. فلا يناقض القياس الصحيح، النص الصريح أبدا. ونصوص الشارع نوعان أخبار، وأوامر، فكما أن أخباره لا تخالف العقل الصحيح، بل هي نوعان نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملة، أو جملة وتفصيلا. ونوع يعجز عن الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه من حيث الجملة. فهكذا أوامره سبحانه نوعان نوع يشهد به القياس والميزان، ونوع لا يستقل بالشهادة به ولكن لا يخالفه وكما أن القسم الثالث في الأخبار محال وهو ورودها بما يرده العقل الصحيح، فكذلك الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح. وهذه الجملة إنما تنفصل بتمهيد قاعدتين عظيمتين. إحداهما أن الذكر الأمري محيط بجميع أفعال المكلفين أمرا ونهيا، وإذنا وعفوا. كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علما وكتابة وقدرا. فعلمه وكتابته وقدره قد أحصى جميع أفعال عباده الواقعة تحت التكليف وغيرها. وأمره ونهيه وإباحته وعفوه قد أحاط بجميع أفعالهم التكليفية. فلا يخرج فعل من أفعالهم عن أحد الحكمين إما الكوني، وإما الشرعي الأمري. فقد بين الله سبحانه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمر به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه. وبهذا يكون دينه كاملا كما قال تعالى

اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي

المائدة 3 ولكن قد يقصر فهم أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص، وعن وجه الدلالة وموقعها، وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يحصيه إلا الله جل وعلا.

ولو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقسام العلماء في العلم، ولما خص سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه وعلى داود بالحكم والعلم. وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه الفهم الفهم فيما أدلى إليك. وقال علي رضي الله عنه إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه. وقال أبو سعيد كان أبو بكر رضي الله عنه أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم. ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس " أن يفقه في الدين ويعلمه التأويل " والفرق بين الفقه والتأويل أن الفقه هو فهم المعنى المراد والتأويل إدراك الحقيقة التي يؤول إليها المعنى التي هي آخيته وأصله، وليس كل من فقه في الدين عرف التأويل. فمعرفة التأويل يختص بها الراسخون في العلم، وليس المراد به تأويل التحريف وتبديل المعنى، فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه، والله يعلم بطلانه إلى أن قال رحمه الله وكل فرقة من هؤلاء الفرق الثلاث يعني نفاة القياس بالكلية، والغالين فيه. والقائلين بأن العلل الشرعية أمارات وعلامات فقط، لا مصالح أنيطت بها الأحكام وشرعت من أجلها سدوا على أنفسهم طريقا من طرق الحق. فاضطروا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحتمله. فنفاة القياس لما سدوا على نفوسهم باب التمثيل والتعليل، واعتبار الحكم والمصالح، وهو من الميزان والقسط الذي أنزله الله احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب، فحملوهما فوق الحاجة، ووسعوها أكثر مما يسعانه. فحيث فهموا من النص حكما أثبتوه ولم يبالوا مما وراءه، وحيث لم يفهموه منه نفوه وحملوا الاستصحاب. وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها. والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد. وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس، وتركهم له، وأخذوا بقياس تركهم وما هو أولى منه. ولكن أخطؤوا من أربعة أوجه أحدها رد القياس الصحيح، ولا سيما النصوص على علته التي يجري عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ، ولا يتوقف عاقل في أن

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٠٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٠٩٣