تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالأمثال المضروبة للفهم. كما قال إمام الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في جامعه الصحيح باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السامع. قالوا فنحن لا ننكر هذه الأمثال التي ضربها الله ورسوله، ولا نجهل ما أريد بها، وإنماننكر أن يستفاد وجوب الدم على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربعا من قوله تعالى

ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك

البقرة 196 وأن الآية تدل على ذلك. وأن

" قوله صلى الله عليه وسلم في صدقة الفطر صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من أقط أو صاع من بر، أو " صاع من زبيب "

يفهم منه أنه لو أعطى صاعا من إهليج جاز، وأنه يدل على ذلك بطريق التمثيل والاعتبار. وأن قوله صلى الله عليه وسلم

" الولد للفراش "

يستفاد منه ومن دلالته أنه لو قال الولي بحضرة الحاكم زوجتك ابنتي وهو بأقصى الشرق وهي بأقصى الغرب، فقال قبلت هذا التزويج وهي طالق ثلاثا، ثم جاءت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر أنه ابنه، وقد صارت فراشا بمجرد قبوله قبلت هذا التزويج، ومع هذا لو كانت له سرية يطؤها ليلا ونهارا لم تكن فراشا له ولو أتت بولد لم يلحقه نسبه إلا أن يدعيه ويستلحقه، فإن لم يستلحقه فليس بولده؟ وأين يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم

" إن في قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل "

أنه لو ضربه بحجر المنجنيق أو بكور الحداد أو بمرازب الحديد العظام، حتى خلط دماغه بلحمه وعظمه أن هذا خطأ شبه عمد لا يوجب قودا. وأين يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم

" ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن لم يكن له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة "

أن من عقد على أمه أو ابنته أو أخته ووطئها فلا حد عليه. وأن هذا المفهوم من قوله

" ادرءوا الحدود بالشبهات "

فهذا في معنى الشبهة التي تدرأ بها الحدود، وهي الشبهة في المحل أو في الفاعل أو في الاعتقاد. ولو عرض هذا على فهم من فرض من العالمين لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه.

وأن من يطأ خالته أو عمته بملك اليمين فلا حد عليه مع علمه بأنها خالته أو عمته وتحريم الله لذلك، ويفهم هذا من

" ادرءوا الحدود بالشبهات "

، وأضعاف أضعاف هذا مما لا يكاد ينحصر. قالوا فهذا التمثيل والتشبيه هو الذي ننكره، وننكر أن يكون في كلام الله ورسوله دلالة على فهمه بوجه ما. قالوا ومن أين يفهم من قوله

وإن لكم في الأنعام لعبرة

النحل 66، ومن قوله

فاعتبروا

الحشر 2 تحريم بيع الكشك باللبن. وبيع الخل بالعنب، ونحو ذلك. قالوا وقد قال تعالى

وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله

الشورى 10 ولم يقل إلى قياساتكم وآرائكم. ولم يجعل الله آراء الرجال وأقيستها حاكمة بين الأمة أبدا. قالوا وقد قال تعالى

وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم

الأحزاب 36 فإنما منعهم من الخيرة عند حكمه وحكم رسوله. لا عند آراء الرجال وأقيستهم وظنونهم. وقد أمر سبحانه رسوله باتباع ما أوحاه إليه خاصة، وقال

إن أتبع إلا ما يوحى إلي

الأنعام 50، وقال

وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله

المائدة 49، وقال تعالى

أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله

الشورى 21 قالوا فدل هذا النص على أن ما لم يأذن به الله من الدين فهو شرع غيره الباطل. قالوا وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى أن كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو عفا عنه لعباده، مباح إباحة العفو، فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياسا على ما أوجبه أو حرمه بجامع بينهما، فإن ذلك يستلزم رفع هذا القسم بالكلية وإلغاؤه، إذ المسكوت عنه لا بد أن يكون بينه وبين المحرم شبه ووصف جامع، وبينه وبين الواجب. فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسم قد عفا عنه. ولم يكن ما سكت عنه قد عفا عنه بل يكون ما سكت عنه قد حرمه قياسا على ما حرمه، وهذا لا سبيل إلى دفعه، وحينئذ فيكون تحريم ما سكت عنه تبديلا لحكمه. وقد ذم الله تعالى من بدل غير القول الذي أمر به فمن بدل غير الحكم الذي شرع له فهو أولى بالذم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٠٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٠٨٧