تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله "

رواه الإمام أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن ابن مسعود.

ثم قال الرازي: المثال الثاني: ذكر أن الشافعي رحمه الله كان جالسا في المسجد الحرام فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم فيه من كتاب الله تعالى. فقال رجل: ما تقول في المحرم إذا قتل الزنبور؟ فقال: لا شيء عليه. فقال: أين هذا في كتاب الله؟ فقال: قال الله تعالى:

وما آتاكم الرسول فخذوه

[الحشر: 7] ثم ذكر إسنادا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي "

ثم ذكر إسنادا إلى عمر رضي الله عنه أنه قال: للمحرم قتل الزنبور. قال الواحدي: فأجابه من كتاب الله مستنبطا بثلاث درجات.

وأقول: ههنا طريق آخر أقرب منه، وهو أن الأصل في أموال المسلمين العصمة. قال تعالى:

لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت

[البقرة: 286]. وقال:

ولا يسألكم أمولكم

[محمد: 36] وقال:

لا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل إلا أن تكون تجرة عن تراض منكم

[النساء: 29] فنهى عن أكل أموال الناس إلا بطريق التجارة، فعند عدم التجارة وجب أن يبقى على أصل الحرمة. وهذه العمومات تقتضي ألا يجب على المحرم الذي قتل الزنبور شيء، وذلك لأن التمسك بهذه العمومات يوجب الحكم بمرتبة واحدة.

المثال الثالث: قال الواحدي:

" روي في حديث العسيف الزاني أن أباه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اقض بيننا بكتاب الله. فقال عليه السلام: " والذي نفسي بيده! لأقضين بينكما بكتاب الله ". ثم قضى بالجلد والتغريب على العسيف، وبالرجم على المرأة إن اعترفت "

قال الواحدي: وليس للجلد والتغريب ذكر في نص الكتاب. وهذا يدل على أن كل ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فهو عين كتاب الله، قال الرازي: وهذا حق؛ لأنه تعالى قال:

لتبين للناس ما نزل إليهم

[النحل: 44]، وكل ما بينه الرسول عليه الصلاة والسلام كان داخلا تحت هذه الآية. انتهى.

وبالجملة، فالقرآن الكريم كلية الشريعة، والمجموع فيه أمور كليات، لأن الشريعة تمت بتمام نزوله، فإذا نظرنا إلى رجوع الشريعة إلى كلياتها، وجدناها قد تضمنها القرآن على الكمال. وقد جود البحث في هذه المسألة المهمة، العلامة الشاطبي في (الموافقات) في الطرف الثاني، في الأدلة على التفصيل. فارجع إليه.

وقد نقلنا شذرة منه في مقدمة هذا التفسير. فتذكر!

السابع: قال أبو البقاء: (من) في قوله تعالى: ﴿ من شيء ﴾ زائدة، و (شيء) هنا واقع موقع المصدر، أي: تفريطا. وعلى هذا التأويل لا يبقى في الآية حجة لمن ظن أن الكتاب يحتوي على ذكر كل شيء صريحا. ونظير ذلك:

لا يضركم كيدهم شيئا

[آل عمران: 120]، أي: ضررا. وقد ذكرنا له نظائر. ولا يجوز أن يكون (شيئا) مفعولا به، لأن (فرطنا) تتعدى بنفسها، بل بحرف الجر، وقد عديت ب (في) إلى (الكتاب)، فلا تتعدى بحرف آخر. ولا يصح أن يكون المعنى: ما تركنا في الكتاب من شيء، لأن المعنى على خلافه، فبان أن التأويل ما ذكرنا. انتهى.

وقال الخفاجي: التفريط: التقصير. وأصله: أن يتعدى ب (في) وقد ضمن هنا معنى (أغفلنا وتركنا). ف (من شيء) في موضع المفعول به، و (من) زائدة: والمعنى: ما تركنا في الكتاب شيئا يحتاج إليه من دلائله الألوهية والتكاليف.

هذا ما ارتضاه أبو حيان والزمخشري، وعدل عنه البيضاوي؛ لأنه لا يتعدى، فجعل التقدير (تفريطا) فحذف المصدر، وأقيم (شيئا) مقامه، وتبع فيه أبا البقاء، إذ اختار هذا، وأورد عليه في (الملتقط) أنه ليس كما ذكر، لأنه إذا تسلط النفي على المصدر، كان منفيا على جهة العموم، ويلزمه نفي أنواع المصدر، ونفي جميع أفراده، وليس بشيء، لأنه يريد أن المعنى حينئذ: أن جميع أنواع التفريط منفية عن القرآن، وهو مما لا شبهة فيه، ولا يلزمه أن يذكر فيه كل شيء كما لزم على الوجه الآخر حتى يحتاج إلى التأويل، كما أن نفي تعديه لا يضر من قال إنه مفعول به على التضمين، كما مر. وأما ما قيل: إن (فرط) يتعدى بنفسه، لما وقع في القاموس (فرط الشيء، وفرط فيه تفريطا ضيعه، وقدم العجز فيه وقصر) فلا نسلم أنه يتعدى بنفسه. وتفرد صاحب القاموس بأمر، لا يسمع في مقابلة الزمخشري وغيره. مع أنه يحتمل أن تعديته المذكورة فيه ليست وضعية، بل مجازية، أو بطريق التضمين - انتهى كلام الشهاب -.

محاسن التأويل · الصفحة ٩٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٩٩٤