6.10
قوله تعالى: ﴿ ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون ﴾. تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصر، والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة. و (حاق) بمعنى: نزل وحل. ولا يكاد يستعمل إلا في الشر. أي: فنزل بهم وبال استهزائهم، أو العذاب الذي كانوا يسخرون من التخويف به، إذ هلكوا في الدنيا على أقبح الوجوه، ثم ردوا إلى أفظع العذاب أبد الآبدين. وجعل الرسل في أعلى منازل القرب من رب العالمين.
ثم أمر تعالى أن يصدعهم بالتجول في الأرض إن ارتابوا فيما تواتر، أو تعاموا عما رأوا، بقوله:
﴿ قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان... ﴾.
6.11
﴿ قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عقبة المكذبين ﴾ أي: سيروا في الأرض لتعرف أحوال أولئك الأمم، وتفكروا في أنهم كيف أهلكوا لما كذبوا الرسل وعاندوا، فتعرفوا صحة ما توعظون به. وفي السير في الأرض، والسفر في البلاد، ومشاهدة تلك الآثار الخاوية على عروشها - تكملة للاعتبار، وتقوية للاستبصار. أي: فلا تغتروا بما أنتم عليه من التمتع بلذات الدنيا وشهواتها.
وفي هذه الآية تكملة للتسلية، بما في ضمنها من العدة اللطيفة، بأنه سيحيق بهم مثل ما حاق بأضرابهم المكذبين. وقد أنجز ذلك يوم بدر أي إنجاز.
لطيفة
وقع هنا ﴿ ثم انظروا ﴾ ، وفي النمل:
قل سيروا في الأرض فانظروا
[النمل: 69]، وكذا في العنكبوت [الآية: 20]؛ فتكلف بعضهم لتخصيص ما هنا ب (ثم)، كما هو مبسوط في (العناية)، مع ما عليه. ونقل عن بعضهم أن السير متحد فيهما، ولكنه أمر ممتد، يعطف بالفاء تارة، نظرا لآخره، وب (ثم) نظرا لأوله، ولا فرق بينهما.
وفي (الانتصاف): الأظهر أن يجعل الأمر بالسير في المكانين واحدا، ليكون ذلك سببا في النظر، فحيث دخلت الفاء، فالإظهار السببية. وحيث دخلت (ثم)، فللتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير، وأن السير وسيلة إليه لا غير. وشتان بين المقصود والوسيلة - والله أعلم -.