تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.120

﴿ وذروا ظهر الإثم ﴾ أي: سيئات الأعمال والأقوال الظاهرة على الجوارح ﴿ وباطنه ﴾ أي: ما يسر منه بالقلب كالعقائد الفاسدة، والعزائم الباطلة، أو ما يعلن من الذنوب وما يسر منها، ويستتر فيه.

قال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه مع الخليلة والصدائق والأخدان. ولا يخفى أن اللفظ عام في كل محرم، ولذا قال قتادة: أي سره وعلانيته، قليله وكثيره، وصغيره وكبيره. كقوله تعالى:

قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن

[الأعراف: 33].

﴿ إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون ﴾ أي: يكتسبون. قال الشهاب: الاقتراف في اللغة الاكتساب، وأكثر ما يقال في الشر والذنب، ولذا قيل: الاعتراف يزيل الاقتراف. وقد يرد في الخير كقوله تعالى:

ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا

[الشورى: 23] انتهى.

وقد روى مسلم وغيره عن نواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس ".

قال الحاكم: في الآية دلالة على أن العبد يؤاخذ بأفعال القلب، كما يؤاخذ بأفعال الجوارح. اه. أي: على التفسير الأول فيها.

6.121

﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ أي: عند ذبحه. أي: بأن ذكر عليه اسم غيره، يعني: ذبح لغيره تعالى. ﴿ وإنه لفسق ﴾ والفسق: ما أهل لغير الله به، كما في الآية الآتية آخر السورة. قال المهايمي: ﴿ وإنه لفسق ﴾ أي: خروج عن الحسن إلى القبح، يتناول ما تنجس بالموت بلا مانع عن تأثيره. ﴿ وإن الشيطين ليوحون ﴾ أي: يوسوسون ﴿ إلى أوليآئهم ﴾ أي: من الكفار، ﴿ ليجدلوكم ﴾ أي: في تحليل الميتة، ﴿ وإن أطعتموهم ﴾ أي: في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل، ﴿ إنكم لمشركون ﴾ أي: لهم مع الله، فيما يختص به من التحليل والتحريم.

تنبيهات

الأول: روي في سبب نزول هذه الآيات عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتى ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، إنا نأكل ما نقتل، ولا نأكل ما يقتل الله تعالى، فأنزل الله تعالى:

فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين

[الأنعام: 118] إلى قوله: ﴿ وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ﴾ [الأنعام: 118]. أخرجه أصحاب السنن.

وفي رواية لأبي داود في قوله تعالى: ﴿ وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجدلوكم ﴾ قال: يقولون ما ذبح الله - فلا تأكلوا، وما ذبحتم أنتم فكلوا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ﴾ ، فنسخ، واستثنى من ذلك فقال:

وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم

[المائدة: 5].

وعند النسائي قال: خاصمهم المشركون، فقالوا: ما ذبح الله لا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه؟ - كذا في تيسير الوصول.

الثاني: دلت الآية على مشروعية التسمية عند الذبح فقيل: باسم الله، بهذا اللفظ الكريم. وقيل: بكل قول فيه تعظيم له كالرحمن، وسائر أسمائه الحسنى، لقوله تعالى:

قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن

[الإسراء: 110]، ولقوله تعالى:

ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها

[الأعراف: 180].

الثالث: ما قدمناه من حمل الآية على ما ذبح لغير الله تعالى هو الأظهر في تأويلها، لقوله تعالى بعد:

أو فسقا أهل لغير الله به

[الأنعام: 145] ومراعاة النظائر في القرآن أولى ما يلتمس به المراد.

وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء قال: نزلت في ذبائح كانت تذبحها قريش على الأوثان، وذبائح المجوس. وقد حاول بعضهم أن يقويه فجعل الواو في قوله: ﴿ وإنه لفسق ﴾ حالية، لقبح عطف الخبر على الإنشاء. قال: والمعنى: لا تأكلوه حال كونه فسقا، والفسق مجمل يفسره قوله:

أهل لغير الله به

[الأنعام: 145]، فيكون النهي مخصوصا بما أهل لغير الله به، فيبقى ما عداه حلالا، إما بالمفهوم، أو بعموم دليل الحل، أو بحكم الأصل. واعترض على هذا الحمل بأنه يقتضي ألا يتناول النهي أكل الميتة، مع أنه سبب النزول، وبأن التأكيد ب (إن) و (اللام) ينفي كون الجملة حالية، لأنه إنما يحسن فيما قصد الإعلام بتحققه ألبتة، والرد على منكر تحقيقا أو تقديرا (على ما بين في المعاني)، والحال الواقع في الأمر والنهي مبناه على التقدير، كأنه قيل: لا تأكلوا منه إن كان فسقا، فلا يحسن ﴿ وإنه لفسق ﴾ بل (وهو فسق) وأجيب عن الأول بأنه دخل بقوله: ﴿ وإنه لفسق ﴾

محاسن التأويل · الصفحة ١٠٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٠٧٦