تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.97

﴿ وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمت البر والبحر ﴾ أي: في ظلمات الليل في طرق البر والبحر ﴿ قد فصلنا الآيت ﴾ أي: بينا الآيات على قدرته تعالى وحكمته واليوم الآخر ﴿ لقوم يعلمون ﴾ أي: وجه الاستدلال بها. وإنما خلقت للاستدلال المتأثر بالعمل بموجبها، ألا وهو الاستدلال بها على معرفة الصانع الحكيم، وكمال قدرته وعلمه واستحقاقه العبادة وحده.

تنبيهان

الأول: ذكر تعالى في غير هذه السورة كون هذه الكواكب زينة للسماء، وكونها رجوما للشياطين. قال بعض السلف: من اعتقد في هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ وكذب على الله سبحانه: أن الله جعلها زينة للسماء، ورجوما للشياطين، ويهتدي بها في ظلمات البر والبحر - نقله ابن كثير -.

أقول: مراده اعتقاد مناف للعقد الصحيح لا اعتقاد حكم وإسرار غير الثلاث فيها، إذ فوائد المكونات غير محصورة. وذكر حكمة في مكون لا ينفي ما عداها - فافهم.

الثاني: قال السيوطي في (الإكليل): هذه الآية أصل في الميقات، وأدلة العقليات.

ثم بين تعالى نوعا آخر من نعمه، وأدلة قدرته الباهرة بقوله:

﴿ وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة فمستقر ومستودع... ﴾.

6.98

﴿ وهو الذي أنشأكم من نفس وحدة ﴾ يعني: آدم عليه السلام ﴿ فمستقر ومستودع ﴾ قرئ ﴿ مستقر ﴾ بفتح القاف وكسرها، وأما (مستودع) فبفتح الدال لا غير. وهما على الأول، إما مصدران، أي: فلكم استقرار واستيداع؛ أو اسما مكان، أي: موضع استقرار واستيداع. والاستقرار إما في الأصلاب، أو فوق الأرض، لقوله تعالى:

ولكم في الأرض مستقر ومتع إلى حين

[البقرة: 36] أو في الأرحام، لقوله تعالى:

ونقر في الأرحام

[الحج: 5] أو الاستيداع في الأرحام، فجعل الصلب مستقر النطفة، والرحم مستودعها، لأنها تحصل في الصلب، لا من قبل شخص آخر، وفي الرحم من قبل الأب، فأشبهت الوديعة، كأن الرجل أودعها ما كان عنده، أو في الأصلاب، أو تحت الأرض، أو فوقها، فإنها عليها، أو وضعت فيها لتخرج منها مرة أخرى كقوله:

وما المال والأهلون إلا ودائع

ولا بد يوما أن ترد الودائع

ونقل الرازي عن الأصم أن المستقر من خلق من النفس الأولى، ودخل الدنيا واستقر فيها. والمستودع الذي لم يخلق بعد وسيخلق. وجعل أبو مسلم الأصفهاني (المستقر) كناية عن الذكر، و (المستودع) كناية عن الأنثى. قال: إنما عبر عن الذكر ب (المستقر) لأن النطفة إنما تتولد في صلبه، وإنما تستقر هناك. وعبر عن الأنثى ب (المستودع) لأن رحمها شبيهة بالمستودع لتلك النطفة - والله أعلم -.

وعلى قراءة: (مستقر) بكسر القاف اسم فاعل، أي: فمنكم قار، ومنكم مستودع. ووجه كون الأول معلوما، والثاني مجهولا، كون الاستقرار صادرا منا دون الاستيداع.

قال الرازي: مقصود الآية أن الناس إنما تولدوا من شخص واحد وهو آدم عليه السلام. ثم اختلفوا في المستقر والمستودع بحسب الوجوه المذكورة فنقول: الأشخاص الإنسانية متساوية في الجسمية، ومختلفة في الصفات التي باعتبارها حصل التفاوت في المستقر والمستودع. والاختلاف في تلك الصفات لا بد له من سبب ومؤثر، وليس السبب هو الجسمية ولوازمها، وإلا لامتنع حصول التفاوت في الصفات، فوجب أن يكون السبب هو الفاعل المختار الحكيم. ونظير هذه الآية في الدلالة قوله تعالى:

واختلاف ألسنتكم وألوانكم

[الروم: 22].

﴿ قد فصلنا الآيت لقوم يفقهون ﴾ قال الزمخشري: فإن قلت، لم قيل (يعلمون) مع ذكر النجوم، و (يفقهون) مع ذكر إنشاء بني آدم؟ قلت: كان إنشاء الإنس من نفس واحدة، وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا. فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر، مطابقا له. انتهى - وهذا بناء على أن الفقه شدة الفهم والفطنة. ومن قال: إنه الفهم مطلقا، وليس بأبلغ من العلم - قال: إنه تفنن، حذرا من صورة التكرير.

محاسن التأويل · الصفحة ١٠٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٠٥١