6.118
قوله تعالى: ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ أمر مترتب على النهي عن اتباع المضلين الذين من جملة إضلالهم تحليل الحرام وتحريم الحلال. وذلك أنهم خاصموا المسلمين فقالوا: ما ذبح الله لا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم أكلتموه - أخرجه النسائي عن ابن عباس - فنزلت الآية. والمعنى: كلوا مما ذكر اسم الله على ذبحه، لرفعه تنجيس الموت إياه المانع من الأكل، لا مما ذكر عليه اسم غيره، أو مات حتف أنفه.
﴿ إن كنتم بآياته مؤمنين ﴾ فإن الإيمان بها يقتضي استباحة ما أحله سبحانه، واجتناب ما حرمه.
6.119
قوله تعالى: ﴿ وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ﴾ إنكار لأن يكون لهم شيء يدعوهم إلى الاجتناب عن أكل ما ذكر عليه اسم الله تعالى من البحائر والسوائب. أي: وأي غرض لكم في أن تتحرجوا من أكله، وما يمنعكم عنه؟ ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم ﴾ أي: بينه ووضحه.
قال بعض المفسرين: يعني في آية المائدة في قوله تعالى:
حرمت عليكم الميتة...
[المائدة: 3] الآية. ورد بأن المائدة من آخر ما نزل بالمدينة، والأنعام مكية. فالصواب أن التفصيل إما في قوله تعالى بعد هذه الآية:
قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما...
[الأنعام: 145]، الآية: فإنه ذكر بعد بيسير، وهذا القدر من التأخر لا يمنع أن يكون هو المراد؛ وإما على لسان الرسول، ثم أنزل بعد ذلك في القرآن. و (فصل) و (حرم) قرئ كل منهما معلوما ومجهولا. ومعنى الآية: لا مانع لكم من أكل ما ذكر، وقد بين لكم المحرم أكله، وهذا ليس منه.
﴿ إلا ما اضطررتم إليه ﴾ أي: مما حرم عليكم. أي: إلا أن تدعوكم الضرورة إلى أكله بسبب شدة المجاعة، فيباح لكم.
﴿ وإن كثيرا ليضلون ﴾ قرئ بفتح الياء وضمها ﴿ بأهوائهم بغير علم ﴾ أي: يضلون فيحرمون ويحللون بأهوائهم وشهواتهم، من غير تعلق بشريعة.
﴿ إن ربك هو أعلم بالمعتدين ﴾ أي: المتجاوزين لحدود الحق إلى الباطل، والحلال إلى الحرام.
تنبيه
قال الرازي: دلت هذه الآية على أن القول في الدين بمجرد التقليد حرام؛ لأن القول بالتقليد قول بمحض الهوى والشهوة، والآية دلت على أن ذلك حرام. انتهى.
وقال بعض الزيدية: في الآية دلالة على تحريم الفتوى والحكم بغير دلالة، ولكن اتباع الهوى.
ولما بين تعالى أنه فصل المحرمات، أتبعه بما يوجب تركها بالكلية، فقال سبحانه:
﴿ وذروا ظهر الإثم وباطنه... ﴾.