6.61
﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ قد مر تفسيره، وأنه المتصرف في أمورهم لا غيره، يفعل بهم ما شاء.
﴿ ويرسل عليكم حفظة ﴾ أي: ملائكة تحفظ أعمالكم وتحصيها، وهم الكرام الكاتبون، كقوله تعالى:
وإن عليكم لحافظين
[الانفطار: 10]، وقوله:
إذ يتلقى المتلقيان...
[ق: 17] الآية.
لطيفة
الحكمة في ذلك: أن المكلف إذا علم أن أعماله تكتب عليه، وتعرض على رؤوس الأشهاد، كان أزجر عن المعاصي. وأن العبد إذا وثق بلطف سيده، واعتمد على عفوه وستره، لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطلعين عليه - أفاده القاضي.
﴿ حتى إذا جآء أحدكم الموت ﴾ أي: أسبابه ومباديه ﴿ توفته رسلنا ﴾ أي: ملائكة موكلون بذلك، ﴿ وهم لا يفرطون ﴾ أي: بالتواني والتأخير. وقال ابن كثير: أي: في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها ويتركونها حيث شاء الله عز وجل، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار في سجين.
6.62
﴿ ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ أي: الذي يتولى أمورهم. و (الحق): العدل الذي لا يحكم إلا بالحق.
قال ابن كثير: الضمير للملائكة. أو للخلائق المدلول عليهم ب (أحد). والإفراد أولا، والجمع آخرا لوقوع التوفي على الانفراد، والرد على الاجتماع. أي: ردوا بعد البعث، فيحكم فيهم بعدله، كما قال:
قل إن الأولين والآخرين * لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم
[الواقعة: 49-50] وقال:
وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا
[الكهف: 47] إلى قوله:
ولا يظلم ربك أحدا
[الكهف: 49] ولهذا قال: ﴿ مولاهم الحق ﴾.
﴿ ألا له الحكم ﴾ يومئذ لا حكم فيه لغيره، ﴿ وهو أسرع الحاسبين ﴾ يحاسب الخلائق في أسرع زمان.
فوائد
الأولى: قال ابن كثير: ونذكر ههنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان. فلا يزال يقال ذلك، حتى تخرج. ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان. فيقولون، مرحبا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها، حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل. وإذا كان الرجل السوء، قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث. اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج. فلا يزال حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان! فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث. ارجعي ذميمة، فإنه لا يفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء، ثم تصير إلى القبر. فيجلس الرجل الصالح، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول، ويجلس الرجل السوء، فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول "
قال الحافظ ابن كثير: هذا حديث غريب.
الثانية: قال بعض أهل الكلام: إن لكل حاسة من هذه الحواس روحا تقبض عند النوم، ثم ترد إليها إذا ذهب النوم. فأما الروح التي تحيا بها النفس، فإنها لا تقبض إلا عند انقضاء الأجل. والمراد بالأرواح، المعاني والقوى التي تقوم بالحواس، ويكون بها السمع والبصر، والأخذ والمشيء والشم. ومعنى:
ثم يبعثكم فيه
[الأنعام: 60] أي: يوقظكم، ويرد إليكم أرواح الحواس فيستدل به على منكري البعث؛ لأنه بالنوم يذهب أرواح هذه الحواس ثم يردها إليها. فكذا يحيي الأنفس بعد موتها - نقله النسفي -.
الثالثة: قال الخازن: فإن قلت: قال الله في آية:
الله يتوفى الأنفس حين موتها
[الزمر: 42]، وقال في آية أخرى:
قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم
[السجدة: 11]، وقال هنا: ﴿ توفته رسلنا ﴾ ، فكيف الجمع بين هذه الآيات؟.