6.4
﴿ وما تأتيهم من آية من آيت ربهم ﴾ يعني: ما يظهر لكفار مكة دليل من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار، أو معجزة من المعجزات، أو آية من آيات القرآن، التي من جملتها الآيات السالفة، الناطقة ببدائع صنعه وقدرته على البعث ﴿ إلا كانوا عنها معرضين ﴾ أي: على وجه التكذيب والاستهزاء، لقلة خوفهم وتدبرهم، في العواقب.
6.5
﴿ فقد كذبوا بالحق لما جآءهم ﴾ يعني: القرآن الذي تحدوا به، فعجزوا عنه ﴿ فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون ﴾ أي: مصداق أنباء الحق الذي كانوا يكذبون به على سبيل الاستهزاء. وأنباؤه عبارة عما سيحيق بهم من العقوبات العاجلة. فهو وعيد شديد لهم بأنه لا بد لهم أن يذوقوا وباله. وقد ذاقوه يوم بدر وغيره.
6.6
﴿ ألم يروا ﴾ أي: ألم يعلموا علما يشبه الرؤية بالبصر، لما سمعوا بالتواتر من إتيان المستهزئين قبلهم، أنباءهم مرارا كثيرة ﴿ كم أهلكنا من قبلهم من قرن ﴾ ، أي: من أمة، فلم نبق منها أحدا، مثل قوم نوح وعاد وثمود، وغيرهم من الأمم الماضية، والقرون الخالية. ﴿ مكنهم في الأرض ﴾ أي: قررناهم وثبتناهم في الأرض، ﴿ ما لم نمكن لكم ﴾ أي: ما لم نجعل لكم من السعة والرفاهية وطول الأعمار، يا أهل مكة! ﴿ وأرسلنا السمآء ﴾ أي: المطر. قال المهايمي: هو أبلغ من (أنزلنا) في الدلالة على الكثرة، ﴿ عليهم مدرارا ﴾ أي: كثيرا، ﴿ وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم ﴾ أي: من تحت أشجارهم، فعاشوا في الخصب بين الأنهار والثمار، وسقيا الغيث المدرار، ﴿ فأهلكنهم بذنوبهم ﴾ أي: بسبب ذنوبهم وكفرهم، وتكذيبهم رسلهم، وجعلناهم أحاديث، فما أغنى عنهم ما كانوا فيه. أي وسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب. ﴿ وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ﴾ أي: بدلا من الهالكين. يعني: فلا يتعاظمه تعالى أن يهلك هؤلاء، ويخلي ديارهم منهم، وينشئ أمة سواهم، فما هم بأعز على الله منهم. والرسول الذي كذبوه أكرم على الله من رسلهم. فهم أولى بالعذاب، ومفاجأة العقوبة، لولا لطفه وإحسانه.
ثم بين تعالى شدة مكابرتهم، إثر إعراضهم، بقوله سبحانه:
﴿ ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس فلمسوه بأيديهم... ﴾.