تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.20

قوله تعالى: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ يعني: اليهود والنصارى ﴿ يعرفونه ﴾ أي: يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليته ونعته الثابت في الكتابين ﴿ كما يعرفون أبنآءهم ﴾ بحلاهم ونعوتهم، لا يخفون عليهم، ولا يلتبسون بغيرهم.

قال المهايمي: لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر في الكتاب نعته. وهو، وإن لم يفد تعينه باللون والشكل والزمان والمكان، تعين بقرائن المعجزات. فبقاء الاحتمال البعيد فيه، كبقائه في الولد، بأنه يمكن أن يكون غير ما ولدته امرأته، أو يكون من الفجور، مع دلالة القرائن على براءتها من التزوير والفجور. فهو، كما يعرفون أبناءهم في ارتفاع الاحتمال البعيد بالقرائن على براءتها.

قال الزمخشري: وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب، وبصحة نبوته.

ثم بين تعالى أن إنكاره خسران لما عرفوه، ولما أمروا بالتدين به بقوله: ﴿ الذين خسروا أنفسهم ﴾ أي: من المشركين ﴿ فهم لا يؤمنون ﴾ أي: بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء، ونوهت به؛ لأنه مطبوع على قلوبهم.

6.21

﴿ ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا ﴾ كقولهم: الملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله. قال تعالى:

وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ آباءنا والله أمرنا بها

[الأعراف: 28].

﴿ أو كذب بآيته ﴾ أي: القرآن والمعجزات، حيث سموها سحرا. وإنما ذكر (أو) مع أنهم جمعوا بين الأمرين، تنبيها على أن كلا منهما وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس. فكيف؟ وهم وقد جمعوا بينهما، فأثبتوا ما نفاه الله تعالى، ونفوا ما أثبته.

﴿ إنه لا يفلح الظلمون ﴾ أي: لا ينجون من مكروه، ولا يفوزون بمطلوب. وإذا كان حال الظالمين هذا، فكيف بمن لا أحد أظلم منه؟

تنبيه

ما ذكرناه من كون الموصول كناية عن المشركين هو الظاهر؛ لأن السورة مكية، والخطاب مع مشركي أهلها. وجعله البيضاوي لهم، ولأهل الكتاب، وقوفا مع عموم اللفظ. والمهايمي؛ لأهل الكتاب خاصة، ربطا للآية بما قبلها. والظاهر الأول، لما قلنا. وعبارة المهايمي:

الذين خسروا أنفسهم

[الأنعام: 20] بتفويت ما أوتوا من الكتاب، وما أمروا به، فهم لا يؤمنون. وكيف لا يخسرون، وهم ظالمون، وكل ظالم خاسر؟ وإنما قلنا: إنهم ظالمون، لأنهم يحرفون كتاب الله لفظا أو معنى، فيفترون على الله الكذب، ويكذبون آيات الله من كتابهم، ومعجزات محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه. وقد يسترون بعض ما في كتابهم، وهو أيضا تكذيب. فعلوا جميع ذلك لأنه لا يتأتى لهم ترك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بدون أحد هذه الأمور.

وقال في قوله تعالى: ﴿ ومن أظلم... ﴾ الآية: لأنهم بالتحريف يدعون إلهية أنفسهم، وبالتكذيب يريدون تعجيز الله عن تصديقه الرسل، وينسبون إيجادها إلى غير الله، مع افتقارها إلى القدرة الكاملة. وإنما قلنا: كل ظالم خاسر؛ لأن كل ظالم لا يفلح. كما قال تعالى: ﴿ إنه لا يفلح الظلمون ﴾ أي: لا يفلحون في الدنيا بانقطاع الحجة عنهم، وظهور المسلمين عليهم. وفيه إشارة إلى أن مدعي الرسالة، لو كان كاذبا كان مفتريا على الله، فلا يكون مفلحا، فلا يكون سببا لصلاح العالم، ولا محلا لظهور المعجزات. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٩٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٩٧٨