يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون
[المجادلة: 18] بعد قوله تعالى:
ويحلفون على الكذب وهم يعلمون
[المجادلة: 14]، فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا. انتهى.
والقول المذكور، والحمل الذي ناقش فيه، أصله لأبي علي الجبائي والقاضي. فإنهما ذهبا إلى أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب، واعتلا بوجوه واهية ساقها الرازي. فلتنظر ثمت، فإنا لا نسود وجوه صحائفنا بما فيه تحكيم العقل على النقل.
ثم بين تعالى بعض ما كان يصدر من مشركي مكة، مما طبع على قلوبهم بسببه فقال سبحانه:
﴿ ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا... ﴾.
6.25
﴿ ومنهم من يستمع إليك ﴾ أي: يصغي حين تتلو القرآن، ولا يجزئ عنه شيئا؛ لأنه لا يتدبر فيه حتى يطلع على إعجازه، ويؤثر فيه الإرشاد ﴿ وجعلنا على قلوبهم أكنة ﴾ أي: حجبا، جمع كنان، كغطاء وأغطية، لفظا ومعنى ﴿ أن يفقهوه ﴾ أي: كراهة أن يفهموا، ببواطن قلوبهم، بواطنه التي بها إعجازه وإرشاده، بإقامة الدلائل ورفع الشبه. ﴿ وفي ءاذانهم وقرا ﴾ أي: وجعلنا في آذانهم، التي هي طريق الوصول إلى بواطن القلوب، صمما مانعا من وصول السماع النافع. وقد مر في أول البقرة تحقيق ذلك. فتذكر.
وقوله تعالى: ﴿ وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا بها ﴾ إشارة إلى أنه لا يختص ما ذكر منهم بالقرآن، لرؤيتهم قصورا فيه، بل مهما يروا من الآيات والحجج مما يدل على صدق الرسول لا يؤمنوا بها، ويحملوها على السحر. لفرط عنادهم، واستحكام التقليد فيهم، فلا فهم عندهم ولا إنصاف. كقوله تعالى:
ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم
[الأنفال: 23].
﴿ حتى إذا جآءوك يجدلونك ﴾ أي: بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم إذا جاؤوك يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل. ثم فسر المجادلة بقوله: ﴿ يقول الذين كفروا إن هذآ إلا أسطير الأولين ﴾ أي: أباطيلهم وأحاديثهم التي لا نظام لها. وعد أحسن الحديث وأصدقه، من قبيل الأباطيل وهو الذي
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
[فصلت: 42] - رتبة من الكفر لا غاية وراءها.