6.18
﴿ وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير ﴾ أي: هو الغالب بقدرته، المستعلي فوق عباده، يدبر أمرهم بما يريد، فيقع في ذلك ما يشق عليهم ويثقل ويغم ويحزن، فلا يستطيع أحد منهم رد تدبيره، والخروج من تحت قهره وتقديره.
قال أبو البقاء: في (فوق) وجهان: أحدهما: في موضع نصب على الحال من الضمير في (القاهر) أي: مستعليا وغالبا. والثاني: في موضع رفع على أنه بدل من (القاهر) أو خبر ثان.
6.19
﴿ قل أي شيء أكبر شهدة ﴾ أي: بحيث لا يمكن معارضته بما يساويه ﴿ قل الله ﴾ أي: أكبر شهادة، إذ لا احتمال لطرو الكذب في خبره أصلا، جل شأنه. وأمره صلى الله عليه وسلم بأن يتولى الجواب بنفسه، إما للإيذان بتعينه، وعدم قدرتهم على أن يجيبوا بغيره، أو لأنهم ربما يتلعثمون فيه، لا لترددهم في أنه تعالى أكبر من كل شيء، بل في كونه شهيدا في هذا الشأن.
وقوله تعالى: ﴿ شهيد بيني وبينكم ﴾ خبر لمحذوف، أو خبر عن لفظ الجلالة. ودل على جواب (أي) من طريق المعنى؛ لأنه إذا كان تعالى هو الشهيد بينه وبينهم، كان أكبر شيء شهادة، شهيدا له. فيكون من الأسلوب الحكيم؛ لأنه عدل عن الجواب المتبادر - إليه، ليدل على أن أكبر شيء شهادة شهيد للرسول، فإن الله أكبر شيء شهادة، والله شهيد له، فينتج الأكبر شهادة شهيد له. والقياس المذكور من الشكل الثالث؛ لأن الحد الأوسط موضوع في المقدمتين، لا من الثاني، كما وقع للشهاب في (العناية) وهو من بديهيات الميزان.
قال بعضهم: الغرض من السؤال ب ﴿ أي شيء أكبر شهدة ﴾ أن شاهدي أكبر شهادة. فقوله: ﴿ شهيد... ﴾ إلخ تنصيص له، والسؤال المذكور لا يحتاج إلى جواب، لكونه معلوما بينا عند الخصم، فحاصله أن الله الذي هو أكبر شهادة، شهد بذلك. انتهى.
ومعنى ﴿ شهيد ﴾: مبالغ في الشهادة على نبوتي، بحيث يقطع النزاع بيني وبينكم، إذ شهد سبحانه بالقول في الكتب التي أنزلها على الأولين، وبالفعل فيما ظهر على يدي من المعجزات، لا سيما معجزة القرآن، كما قال تعالى:
﴿ وأوحي إلي هذا القرآن ﴾ أي: الجامع للعلوم التي يحتاج إليها في المعارف والشرائع، في ألفاظ يسيرة، في أقصى مراتب الحسن والبلاغة، معجزة شاهدة بصحة رسالتي. لأنكم أنتم الفصحاء والبلغاء، وقد عجزتم عن معارضته ﴿ لأنذركم به ﴾ ، أي بما فيه من الوعيد، ﴿ ومن بلغ ﴾ عطف على ضمير المخاطبين. أي: لأنذركم به، يا أهل مكة! وسائر من بلغه من الناس كافة، فهو نذير لكل من بلغه، كقوله تعالى:
ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده
[هود: 17].
﴿ أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى ﴾ تقرير لهم مع إنكار واستبعاد.
﴿ قل لا أشهد ﴾ بما تشهدون، ﴿ قل إنما هو إله واحد ﴾ أي: بل أشهد أن لا إله إلا هو، لا يشارك في إلهيته، ولا في صفات كماله ﴿ وإنني بريء مما تشركون ﴾ يعني: الأصنام.
وفي هذه الآية مسائل:
الأولى: استدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿ قل الله ﴾ في جواب ﴿ أي شيء أكبر شهدة ﴾ على جواز إطلاق (الشيء) عليه تعالى. وكذا بقوله سبحانه وتعالى:
كل شيء هالك إلا وجهه
[القصص: 88]. فإن المستثنى يجب أن يدخل تحت المستثنى منه، وذلك لأن الشيء أعم العام - كما قاله سيبويه - لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه.
واختار الزمخشري شموله حتى للمستحيل. وصرح كثير من المحققين بأنه يختص بالموجود، وضعفوا من أطلقه على المعدوم، بأنه محجوج بعدم استعمال العرب ذلك، كما علم باستقراء كلامهم، وبنحو:
كل شيء هالك إلا وجهه
[القصص: 88]، إذ المعدوم لا يتصف بالهلاك، وبنحو:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده
[الإسراء: 44] إذ المعدوم لا يتصور منه التسبيح.
قال الناصر في (الانتصاف): هذه المسألة معدودة من علم الكلام باعتبار ما، وأما هذا البحث فلغوي، والتحاكم فيه لأهل اللغة. وظاهر قولهم: غضبت من لا شيء. و