تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.79

﴿ إني وجهت وجهي ﴾ أي: وجه قلبي وروحي في المحبة والعبادة، بل جعلته مسلما ﴿ للذي فطر السموت والأرض حنيفا ﴾ أي: مائلا عن الأديان الباطلة، والعقائد الزائغة، ﴿ ومآ أنا من المشركين ﴾.

وفي هذا المقام مباحث

الأول: توسع المفسرون هنا في قوله:

هذا ربي

[الأنعام: 76].

فمن قائل بأن المتكلم بهذا آزر، وأنه لما قال ذلك، قال إبراهيم:

لا أحب الآفلين

[الأنعام: 76].

وقيل: إنه إبراهيم، وكان ذلك في حال الطفولية، قبل استحكام النظر في معرفة الله تعالى لقوله:

لئن لم يهدني ربي...

[الأنعام: 77] إلخ.

وقيل: بعد بلوغه وتكريمه بالرسالة، إلا أنه أراد الاستفهام الإنكاري، توبيخا لقومه، فحذف الهمزة، ومثله كثير.

وقيل: على إضمار القول أي: يقولون: هذا ربي، وإضمار القول كثير.

وقيل: المعنى في زعمكم واعتقادكم.

وقيل: الإخبار على سبيل الاستهزاء... إلى أقوال أخر.

والقصد في ذلك: تنزيه مقامه عليه الصلاة والسلام عن الشك والحيرة، واعتقاد ربوبية ذلك، لمنافاته للعصمة.

وأقول: هذا مسلم بلا ريب، ولكن الأوجه من جميع ذلك كله ما أسلفناه أولا من أن قوله:

هذا ربي

[الأنعام: 76] من باب استعمال النصفة مع الخصوم، على سبيل الوضع، وهو سوق مقدمة في الدليل لا يعتقدها، لكونها مسلمة عند غيره، لأجل إلزامه بها. وهو مصطلح أهل الجدل. وقد اقتصر الزمخشري على هذا الوجه الفريد.

قال الناصر في (الانتصاف): ذلك متعين. وقد ورد في الحديث الوارد في الشفاعة أنهم يأتون إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فيلتمسون منه الشفاعة، فيقول: نفسي! نفسي! ويذكر كذباته الثلاث، ويقول: لست لها، يريد قوله لسارة هي أختي، وإنما عنى: في الإسلام. وقوله: إنه سقيم، وإنما عنى همه بقومه وبشركهم والمؤمن يسقمه ذلك - وقوله:

بل فعله كبيرهم

[الأنبياء: 63]، وقد ذكرت فيه وجوه من التعريض. فإذا عد صلوات الله عليه وسلامه على نفسه هذه الكلمات، مع العلم بأنه غير مؤاخذ بها، دل ذلك على أنها أعظم ما صدر منه. فلو كان الأمر على ما يقال، من أن هذا الكلام محكي عنه على أنه نظره لنفسه، لكان أولى أن يعده، وأعظم، مما ذكرناه. لأنه حينئذ يكون شكا، بل جزما. على أن الصحيح أن الأنبياء قبل النبوة معصومون من ذلك، انتهى.

وقال الحافظ ابن كثير: اختلف المفسرون في هذا المقام، هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر. واختاره ابن جرير مستدلا عليه بقوله:

لئن لم يهدني ربي

[الأنعام: 77] الآية. وقال محمد بن إسحاق: قال ذلك حين خرج من السرب الذي ولدته فيه أمه، حين تخوفت عليه من نمروذ بن كنعان، لما كان قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذ.

فلما حملت أم إبراهيم به، وحان وضعها، ذهبت إلى سرب، ظاهر البلدة، فولدت فيه إبراهيم، وتركته هناك. وذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين.

ثم قال ابن كثير: والحق أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان في هذا المقام مناظرا لقومه، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين، في المقام الأول مع أبيه، خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صورة الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذي هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته، ليشفعوا لهم عنده في الرزق، وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة. وأشدهن إضاءة وأشرفهن عندهم، الشمس ثم القمر ثم الزهرة. فبين أولا صلوات الله وسلامه عليه أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية، فإنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا تزيغ عنه، ولا تملك لنفسها تصرفا، بل هي جرم من الأجرام، خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب، حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال. وهذه لا تصلح للإلهية. ثم بين في القمر ما بين في النجم، ثم الشمس كذلك. فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة، التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع، تبرأ من عبادتهن وموالاتهن، وأخبر بأنه يعبد خالقهن ومسخرهن.

محاسن التأويل · الصفحة ١٠٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٠٢٨