تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.7

﴿ ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس ﴾ أي: مكتوبا في ورق، ﴿ فلمسوه بأيديهم ﴾ أي: فمسوه، ﴿ لقال الذين كفروا إن هذآ ﴾ أي: ليس هذا المعظم بهذه الوجوه الدالة على أنه لا يكون إلا من الله، ﴿ إلا سحر مبين ﴾ تعنتا وعنادا. وتخصيص (اللمس) لأن التزوير لا يقع فيه، فلا يمكنهم أن يقولوا إنما سكرت أبصارنا، ولأنه يتقدمه الإبصار، حيث لا مانع. وتقييده ب (الأيدي) لرفع التجوز، فإنه قد يتجوز به للفحص، كقوله:

وأنا لمسنا السمآء

[الجن: 8] أفاده البيضاوي.

قال الناصر في (الانتصاف): والظاهر أن فائدة زيادة لمسهم له بأيديهم، تحقيق القراءة على قرب. أي: فقرؤوه وهو في أيديهم، لا بعيد عنهم، لما آمنوا.

وقال ابن كثير: وهذا كما قال تعالى مخبرا عن مكابرتهم للمحسوسات:

ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون

[الحجر: 14-15]، لقوله تعالى:

وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا سحاب مركوم

[الطور: 44].

6.8

﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ﴾ أي: ليكون معه فيكلمنا أنه نبي، كقوله:

لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا

[الفرقان: 7].

﴿ ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ﴾ جواب لمقترحهم، وبيان لمانعه، وهو البقيا عليهم، كيلا يكونوا كالباحث عن حتفه بظلفه. والمعنى: أن الملك لو أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته، وهي آية لا شيء أبين منها وأيقن، ثم لم يؤمنوا، لحاق بهم العذاب، وفرغ الأمر. فإن سنة الله قد جرت في الكفار أنهم متى اقترحوا آية، ثم لم يؤمنوا، استؤصلوا بالعذاب، كما قال تعالى:

ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين

[الحجر: 8]. وقوله تعالى:

يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين

[الفرقان: 22].

﴿ ثم لا ينظرون ﴾ أي: لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين، فضلا عن أن ينذروا به. ومعنى (ثم) بعد ما بين الأمرين، قضاء الأمر، وعدم الإنظار. جعل عدم الإنظار. أشد من قضاء الأمر؛ لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة.

تنبيه

ذكر الزمخشري وجها ثانيا في تعجيل عذابهم، عند نزول الملائكة، وهو أنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف، فيجب إهلاكهم، وفي (الكشف) الاختيار قاعدة التكليف، وهذه آية ملجئة. قال تعالى:

فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا

[غافر: 85]. فوجب إهلاكهم، لئلا يبقى وجودهم عاريا عن الحكمة، إذ ما خلقوا إلا للابتلاء بالتكليف، وهو لا يبقى مع الإلجاء. هذا تقريره على مذهبهم، وهو غير صاف عن الإشكال. انتهى. وفيه إشارة إلى أنه ليس على قواعد السنة، وكأن وجه إشكاله أنه وقع في القرآن، والواقع ما ينافيه، كما في قوله تعالى:

أو كالذي مر على قرية...

[البقرة: 259] الآية - كذا في (العناية) -وذكر أيضا وجها ثالثا. وهو أنهم إذا شاهدوا ملكا في صورته، زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون.

قال في (الانتصاف): ويقوي هذا الوجه قوله:

ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا

[الأنعام: 9]، قال ابن عباس: ليتمكنوا من رؤيته، ولا يهلكوا من مشاهدة صورته. انتهى.

وهذا الوجه آثره أبو السعود في التقديم حيث قال: أي لو أنزلنا ملكا على هيئته حسبما اقترحوه، والحال أنه من هول المنظر، بحيث لا تطيق بمشاهدته قوى الآحاد البشرية. ألا يرى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يشاهدون الملائكة ويفاوضونهم على الصورة البشرية؟ كضيف إبراهيم ولوط، وخصم داود عليهم السلام، وغير ذلك. وحيث كان شأنهم كذلك، وهم مؤيدون بالقوى القدسية، فما ظنك بمن عداهم من العوام؟ فلو شاهدوه كذلك لقضي أمر هلاكهم بالكلية، واستحال جعله نذيرا، وهو - مع كونه خلاف مطلوبهم - مستلزم لإخلاء العالم عما عليه يدور نظام الدنيا والآخرة، من إرسال الرسل، وتأسيس الشرائع. وقد قال سبحانه:

محاسن التأويل · الصفحة ٩٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٩٦٧