تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقيل: المراد منه القرآن كقوله تعالى:

ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء

[النحل: 89].

قال الحفاجي: قيل: حمله على القرآن لا يلائم ما قبله وما بعده. ويدفع بأن المعنى لم نترك شيئا من الحجج وغيرها إلا ذكرناه، فكيف يحتاج إلى آية أخرى مما اقترحوه، ويكذب بآياتنا؟ فالكلام بعضه آخذ بحجز بعض بلا شبهة.

وقال أبو السعود: أي ما تركنا في القرآن شيئا من الأشياء المهمة التي من جملتها بيان أنه تعالى مراع لمصالح جميع مخلوقاته.

قال الشهاب في قول البيضاوي: (فإنه قد دون فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلا أو مجملا): يشير إلى أن ما ثبت بالأدلة الثلاثة ثابت بالقرآن، لإشارته بنحو قوله:

فاعتبروا يأولي الأبصار

[الحشر: 2] إلى القياس. وقوله:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه

[الحشر: 7] بل قيل: إنه بهذه الطريقة يمكن استنباط جميع الأشياء منه. كما سأل بعض الملحدين بعضهم عن طبخ الحلوى. أين ذكر في القرآن؟ فقال: في قوله تعالى:

فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون

[النحل: 43 ، والأنبياء: 7].

واستظهر الرازي: أن المراد (بالكتاب): القرآن؛ واحتج بأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد، انصرف إلى المعهود السابق، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن. فوجب أن يكون المراد من (الكتاب) في هذه الآية القرآن. إذا ثبت هذا، فلقائل أن يقول: كيف قال تعالى: ﴿ ما فرطنا في الكتب من شيء ﴾ مع أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب، وتفاصيل علم الحساب، ولا تفاصيل كثير من المباحث والعلوم.

وليس فيه أيضا تفاصيل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع؟

والجواب: أن قوله: ﴿ ما فرطنا في الكتب من شيء ﴾ يجب أن يكون مخصوصا ببيان الأشياء التي يجب معرفتها، والإحاطة بها، وبيانه من وجهين:

الأول: أن لفظ: (التفريط) لا يستعمل نفيا وإثباتا، إلا فيما يجب أن يبين؛ لأن أحدا لا ينسب إلى التفريط والتقصير في أن لا يفعل ما لا حاجة إليه، وإنما يذكر هذا اللفظ فيما إذا قصر فيما يحتاج إليه.

الثاني: أن جميع آيات القرآن، أو الكثير منها، دالة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام على أن المقصود من إنزال هذا الكتاب بيان الدين، ومعرفة الله، ومعرفة أحكام الله. وإذا كان هذا التقييد معلوما من كل القرآن، كان المطلق ههنا محمولا على ذلك المقيد. أما قوله: إن هذا الكتاب غير مشتمل على جميع علوم الأصول والفروع، فنقول: أما علم الأصول فإنه بتمامه حاصل فيه، لأن الدلائل الأصلية مذكورة فيه على أبلغ الوجوه. فأما روايات المذاهب، وتفاصيل الأقاويل، فلا حاجة إليها. وأما تفاصيل علم الفروع، فقال العلماء: إن القرآن دل على أن الإجماع، وخبر الواحد، والقياس، حجة في الشريعة. فكل ما دل عليه أحد هذه الأصول الثلاثة، كان ذلك في الحقيقة موجودا في القرآن.

وذكر الواحدي رحمه الله لهذا المعنى أمثلة ثلاثة:

المثال الأول: روي أن ابن مسعود كان يقول: ما لي لا ألعن من لعنه الله في كتابه؟ يعني: الواشمة والمستوشمة؛ والواصلة والمستوصلة.

وروي أن امرأة قرأت جميع القرآن، ثم أتته، فقالت: يا ابن أم عبد! تلوت البارحة ما بين الدفتين، فلم أجد فيه لعن الواشمة والمستوشمة! فقال. لو تلوتيه لوجدتيه، قال الله تعالى:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه

[الحشر: 7] وإن مما آتانا به رسول الله أنه قال:

" لعن الله الواشمة والمستوشمة ".

قال الرازي: وأقول: يمكن وجدان هذا المعنى في كتاب الله بطريق أوضح من ذلك، لأنه تعالى قال في سورة النساء:

وإن يدعون إلا شيطنا مريدا * لعنه الله

[النساء: 117-118] فحكم عليه باللعن، ثم عدد بعده قبائح أفعاله، وذكر من حملتها قوله:

ولأمرنهم فليغيرن خلق الله

[النساء: 119]. وظاهر هذه الآية يقتضي أن تغيير الخلق يوجب اللعن. انتهى.

قلت: وتتمة الحديث تؤيد ذلك أيضا. ولفظه:

محاسن التأويل · الصفحة ٩٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٩٩٣