أقول: ما للمجد في القاموس، ليس من تفرداته وعندياته، إذ اللغة مرجعها السماع، لا الاجتهاد. وموازنته بين الزمخشري وغيره، من باب معرفة الحق بالرجال، الذي الصواب عكسه. على أنه ليس في (الكشاف) ما يقتضي ما زعمه. وقد استشهد شارح القاموس، الزبيدي شاهدا على تعديته بنفسه، تأييدا لكلام المجد، قول صخر الغي:
ذلك بزي فلن أفرطه
أخاف أن ينجزوا الذي وعدوا
قال ابن سيده: يقول: لا أضيعه، وقوله: بزي، أراد سلاحي. ثم قال الزبيدي: وقال أبو عمرو: فرطتك في كذا وكذا، أي: تركتك. وبه فسر أيضا قول صخر. انتهى.
وأنشد أبو السعود قول ساعدة جؤية:
*معه سقاء لا يفرط حمله*
أي: لا يتركه.
وبه يعلم سقوط ما لأبي البقاء، وسقوط دعوى أن أصله أن يتعدى ب (في) ودعوى التضمين السابقة، وتكلف كون (شيء) واقعا موقع المصدر.
هذا وقرئ: (فرطنا) بالتخفيف، وهو بمعنى: المشدد. وإنما توسعنا فيما روي على القول الثاني في معنى الكتاب؛ لشهرة الآية في هذا المعنى، وإن كان الأظهر الأول، لما ذكرناه، ولأن السورة مكية، والأحكام فيها لم تتم - والله أعلم -.
الثامن: دلت الآية على حشر الدواب والبهائم والطير كلها، أي: بعثها يوم القيامة. كقوله تعالى:
وإذا الوحوش حشرت
[التكوير: 5].
وروى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي شاتين تنتطحان، فقال: " يا أبا ذر، هل تدري فيم تنتطحان؟ " قال: لا. قال: " لكن الله يدري، وسيقضي بينهما "
ورواه عبد الرزاق وابن جرير، وزاد: قال أبو ذر: ولقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه عن عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" إن الجماء لتقص من القرناء يوم القيامة ".
وروى عبد الرزاق عن أبي هريرة في هذه الآية قال:
" يحشر الخلق كلهم يوم القيامة: الدواب والبهائم والطير وكل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا! فلذلك يقول الكافر: " يا ليتني كنت ترابا "
وقد روي هذا مرفوعا في حديث الصور. أفاده ابن كثير.
قلت: روى الإمام أحمد، والبخاري في (الأدب المفرد) ومسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء، من الشاة القرناء، تنطحها ".
وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة عن ابن عباس في الآية قال: حشرها: الموت. وروي عن مجاهد والضحاك مثله. والأول أظهر.
التاسع: في الإكليل: استدل بهذه الآية على مسألة أخرى، أخرجه أبو الشيخ عن أنس أنه سئل: من يقبض أرواح البهائم؟ قال: ملك الموت. فبلغ الحسن فقال: صدق! وإن ذلك في كتاب الله. ثم تلا هذه الآية.