تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.51

﴿ وأنذر به ﴾ أي: بما يوحي، المتقدم ذكره ﴿ الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ﴾ يعني: من دون الله تعالى، ﴿ ولي ﴾ أي: ناصر ينصرهم ﴿ ولا شفيع ﴾ يشفع لهم وينجيهم من العذاب، غيره تعالى ﴿ لعلهم يتقون ﴾ أي: الاعتقادات الفاسدة، والأعمال الطالحة، والأخلاق الرديئة.

قال في العناية: خص بالذكر هؤلاء، لأنهم الذين ينفعهم الإنذار، ويقودهم إلى التقوى. وليس المراد الحصر حتى يرد أن إنذاره لغيرهم لازم أيضا. انتهى.

وجملة ﴿ ليس لهم ﴾ في موضع الحال من ﴿ يحشروا ﴾ ، فإن المخوف هو الحشر على هذه الحالة. والمراد ب (الولي) و (الشفيع) الآلهة التي كان المشركون يزعمون أنها شفعاؤهم، وحينئذ فلا دلالة في الآية على نفي الشفاعة للمسلمين؛ لأن شفاعة الرسل يومئذ إنما تكون بإذنه تعالى، فكأنها منه تعالى.

6.52

روى الإمام مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال له المشركون: اطرد هؤلاء يجترئون علينا! قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿ ولا تطرد الذين... ﴾ الآية.

وأخرج نحوه الحاكم وابن حبان في صحيحيهما.

وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود قال: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء؟ فنزل عليه القرآن:

وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم

[الأنعام: 51] إلى قوله:

أليس الله بأعلم بالشكرين

[الأنعام: 53].

ورواه ابن جرير عن ابن مسعود أيضا قال: مر الملأ من قريش برسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين.

وفيه: فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء من قومك، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ونحن نصير تبعا لهؤلاء؟ اطردهم، فلعلك إن طردتهم نتبعك! فنزلت هذه الآية: ﴿ ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي... ﴾ الآية.

ووراء ما ذكرنا، روايات لا تصح ولا يوثق بها.

إذا علمت ذلك تبين أنه صلى الله عليه وسلم لم يطردهم بالفعل، وإنما هم بإبعادهم عن مجلسه آن قدوم أولئك، ليتألفهم فيقودهم ذلك إلى الإيمان، فنهاه الله عن إمضاء ذلك الهم.

فما أورده الرازي من كونه صلى الله عليه وسلم، طردهم، ثم أخذ بتكليف في الجواب عنه، لمنافاته العصمة على زعمه، فبناء على واه. والقاعدة المقررة أن البحث في الأثر فرع ثبوته، وإلا فالباطل يكفي في رده، كونه باطلا. وقد أوضحت ذلك في كتابي (قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث). والمعنى: لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك. كقوله:

واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا

[الكهف: 28].

وقوله تعالى: ﴿ يدعون ربهم ﴾ أي: يعبدونه ويسألونه، ﴿ بالغداة والعشي ﴾ قال سعيد ابن المسيب وغيره: المراد به الصلاة المكتوبة.

وقوله تعالى: ﴿ يريدون وجهه ﴾ المراد بالوجه: الذات، كما في قوله:

كل شيء هالك إلا وجهه

[القصص: 88] ومعنى إرادة الذات: الإخلاص لها، والجملة حال من: (يدعون) أي: يدعون ربهم مخلصين له فيه، وتقييده به لتأكيد عليته للنهي، فإن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام، المضاد للطرد.

وقوله تعالى: ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ ، كقول نوح عليه السلام في الذين قالوا:

أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون

[الشعراء: 111-113] أي: إنما حسابهم على الله عز وجل، وليس علي من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء.

محاسن التأويل · الصفحة ١٠٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٠٠٣