تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.49

﴿ والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب ﴾ أي: الذي أنذروا به عاجلا أو آجلا ﴿ بما كانوا يفسقون ﴾ أي: عن أمر الله في ترك الإيمان، ومباشرة الأعمال الطالحة واكتساب الأخلاق الرديئة.

6.50

قوله تعالى: ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ﴾ أي: قل لهؤلاء المشركين المقترحين عليك تارة تنزيل الآيات، وأخرى غير ذلك: لا أدعي أن خزائن رزق الله مفوضة إلي، فأعطيكم منها ما تريدون من قلب الجبال ذهبا، وغير ذلك.

(والخزائن: جمع خزانة، وهي اسم للمكان الذي يخزن فيه الشيء. وخزن الشيء إحرازه، بحيث لا تناله الأيدي).

﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ أي: من أفعاله تعالى حتى تسألوني عن وقت الساعة، أو وقت نزول العذاب أو نحوهما. ﴿ ولا أقول لكم إني ملك ﴾ أي: حتى تكلفوني من الأفاعيل الخارقة للعادات ما لا يطيقه البشر، من الرقي في السماء ونحوه، أو تعدوا عدم اتصافي بصفاتهم قادحا في أمري، كما ينبئ عنه قولهم:

مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق

[الفرقان: 7]. والمعنى: إني لا أدعي شيئا من هذه الأشياء الثلاثة، حتى تقترحوا علي ما هو من آثارها وأحكامها، وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك، دليلا على عدم صحة ما أدعيه من الرسالة التي لا تعلق لها بشيء مما ذكر قطعا. بل إنما هي عبارة عن تلقي الوحي من جهة الله عز وجل، والعمل بمقتضاه فقط، كما ينبئ عنه قوله تعالى: ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ أي: ما أتبع فيما أقول لكم إلا ما يوحى إلي من جهته تعالى، شرفني بذلك وأنعم به علي، إذ يكشف لي عن الملائكة فيخبرونني.

ثم كرر الأمر تثنية للتبكيت بقوله:

﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ مثل للضال والمهتدي على الإطلاق. والاستفهام إنكاري، والمراد إنكار استواء من لا يعلم ما ذكر من الحقائق، ومن يعلمها. وفيه الإشعار بكمال ظهورها، ومن التنفير عن الضلال، والترغيب في الاهتداء - ما لا يخفى. أفاده أبو السعود.

وقوله تعالى: ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ تقريع وتوبيخ داخل تحت الأمر. أي: أفلا تتفكرون فتهتدوا، ولا تكونوا ضالين أشباه العميان.

تنبيهات

الأول: جعل بعض المفسرين قوله تعالى: ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب ﴾ تبرؤا من دعوى الألوهية؛ لأن قسمة الأرزاق بين العباد، ومعرفة الغيب، مخصوصان به تعالى. قال: ولذا كرر في الملكية لفظ: ﴿ ولا أقول ﴾. والمعنى: لا أدعي الألوهية ولا الملكية.

وأورد على هذا أن المراد: لا أملك أن أفعل ما أريد مما تقترحونه، وليس المراد التبرؤ عن دعوى الإلهية، وإلا لقيل: لا أقول لكم إني إله. كما قيل: ولا أقول لكم إني ملك. وأيضا في الكناية عن الألوهية ب ﴿ عندي خزآئن الله ﴾ ما لا يخفى من البشاعة، بل هو جواب عن اقتراحهم عليه صلى الله عليه وسلم أن يوسع عليهم خيرات الدنيا - كذا في العناية -.

قال أبو السعود: وجعل هذا تبرؤا عن دعوى الإلهية، مما لا وجه له قطعا.

الثاني: قال الجبائي: الآية دالة على أن الملك أفضل من الأنبياء؛ لأن المعنى: لا أدعي منزلة فوق منزلتي، ولولا أن الملك أفضل، وإلا لم يصح ذلك.

قال القاضي: إن الغرض بما نفى طريقة التواضع، فالأقرب أن يدل ذلك على أن الملك أفضل، وإن كان المراد نفي قدرته على أفعال لا يقوى عليها إلا الملائكة، لم يدل على كونهم أفضل.

وقرر الزمخشري: الأول تأييدا لمذهبه قال في تفسير الآية: أي لا أدعي ما يستبعد في العقول أن يكون لبشر من ملك خزائن الله، وهي قسمه بين الخلق وأرزاقه، وعلم الغيب، وإني من الملائكة الذين هم أشرف جنس خلق الله تعالى، وأفضله، وأقربه منزلة منه. أي: لم أدع إلهية ولا ملكية، لأنه ليس بعد الإلهية منزلة أرفع من منزلة الملائكة، حتى تستبعدوا دعواي وتستنكروها، وإنما أدعي ما كان مثله لكثير من البشر، وهو النبوة. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ١٠٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٠٠١