تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

6.102

﴿ ذلكم ﴾ أي: الموصوف بما سبق، البعيد رتبته عن مراتب من يشارك أو ينسب إليه الولادة، إذ هو ﴿ الله ربكم لا إله إلا هو خلق كل شيء فاعبدوه ﴾ أي: بالإيمان به وحده، فإن من جمع تلك الصفات استحق العبادة وحده. ﴿ وهو على كل شيء وكيل ﴾ أي: رقيب وحفيظ، يدبر كل ما سواه ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار.

6.103

قوله تعالى: ﴿ لا تدركه الأبصر ﴾ جملة مستأنفة، إما مؤكدة لقوله تعالى:

وهو على كل شيء وكيل

[الأنعام: 102] ذكرت للتخويف بأنه رقيب من حيث لا يرى فليحذر، وإما هي مؤكدة لما تقرر قبل من تنزهه وتعاليه عن إفكهم أعظم تأكيد، ببيان أنه لا تراه الأبصار المعهودة وهي أبصار أهل الدنيا، لجلاله وكبريائه وعظمته، فأنى يصح أن ينسب إلى عليائه تلك العظيمة؟ وذلك لأنه تعالى لم يخلق لأرباب هذه النشأة الدنيوية استعدادا لرؤيته المقدسة.

قال العارف الجليل الشيخ الأكبر قدس سره في (فتوحاته): سبب عجز الناس عن رؤية ربهم في الدنيا ضعف نشأة هذه الدار، إلا لمن أمده الله بالقوة، بخلاف نشأة الآخرة لقوتها. وسبب رؤيته تعالى في المنام كون النوم أخا الموت. وفي الحديث:

" إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا "

فما نفى الشارع إلا رؤية الله في الدنيا يقظة. انتهى.

وقال بعضهم: إن الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه تعالى؛ لأن هذه الأحداق ما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك الله تعالى، وإنما تدركه إذا تبدلت صفاتها، وتغيرت أحوالها.

وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل الليل، وعمل الليل قبل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ".

قال ابن كثير: وفي الكتب المتقدمة؛ أن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده. وقال تعالى:

فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين

[الأعراف: 143].

أقول: كون المنفي من الإدراك في هذه الآية هو الإدراك الدنيوي خاصة، لا يحتاج إلى حجة ولا برهان. ومن فهم من بعض الفرق، كالمعتزلة، من هذه الآية أن المنفي هو الإدراك في النشأتين، فقد نادى على نفسه بالجهل بما دل عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المتواترة. أما الكتاب فمثل قوله تعالى:

وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة

[القيامة: 22-23] وأما السنة فما روي عن جرير بن عبد الله البجلي قال:

" كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر وقال: " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، فافعلوا " ، ثم قرأ: ﴿ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ﴾ [ق: 39] ".

قال ابن كثير: تواترت الأخبار عن أبي سعيد وأبي هريرة وأنس وجرير وصهيب وبلال وغير واحد من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم:

" أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات وفي روضات الجنات "

انتهى.

قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): وأدلة السمع طافحة بوقوع ذلك في الآخرة لأهل الإيمان دون غيرهم، ومنع ذلك في الدنيا. إلا أنه اختلف في نبينا صلى الله عليه وسلم. انتهى.

قال ابن كثير: كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تثبت الرؤيا في الدار الآخرة، وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية. انتهى.

فعن مسروق قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: يا أمتاه! هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت! أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب. ثم قرأت: ﴿ لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر ﴾ ،

محاسن التأويل · الصفحة ١٠٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٠٥٨