تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفيه أيضا ما لفظه: كل الكتب المنزلة تعلم بالوحدانية وتنفي تثليث الآلهة، أو كون الله ثلاثة، وتعلن صريحا بأوضح العبارة؛ أن الله واحد أحد، وأنه لا إله حقا سواه. انتهى.

وفي كتاب (سوسنة سليمان) ذكر فرق منهم متعددة صارت إلى إنكار ألوهية المسيح والروح القدس، وهذا الكتاب ساق من فرقهم العتيقة والحديثة واختلافهم ما يقضي بالعجب، مما يؤيد ما قاله الحافظ ابن كثير، من أن لهم آراء مختلفة وأقوالا غير مؤتلفة، ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا عن أحد عشر قولا. انتهى.

قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في (الرسالة القبرصية): فتفرق النصارى في التثليث والاتحاد تفرقا وتشتتوا تشتيتا لا يقر به عاقل، ولم يجيء نقل، إلا كلمات متشابهات. في الإنجيل وما قبله من الكتب، قد بينتها كلمات في الإنجيل وما قبله، كلها تنطلق بعبودية المسيح وعبادته لله وحده، ودعائه وتضرعه، ولما كان أصل الدين هو الإيمان بالله ورسله، كان أمر الدين توحيد الله والإقرار برسله، فأرباب التثليث في الوحدانية، والاتحاد في الرسالة، قد دخل في أصل دينهم من الفساد ما هو بين بفطرة الله التي فطر الناس عليها، وبكتب الله التي أنزلها. انتهى.

وقد اجتمع لدي، بحمده تعالى، حين كتابة هذه السطور عشرون مؤلفا في الرد عليهم، وكلها، ولله الحمد، مطبوعة منتشرة، فلا حاجة للإطالة بالنقل عنها، لسهولة الوقوف عليها.

قال الماردوي في (أعلام النبوة): فأما النصارى فقد كانوا، قبل أن تنصر قسطنطين الملك، على دين صحيح في توحيد الله تعالى ونبوة عيسى عليه السلام، ثم اختلفوا في عيسى بعد تنصر قسطنطين، وهو أول من تنصر من ملوك الروم، أي: لأن الروم كانت صابئة، ثم قهرهم على التنصر قسطنطين لما ملكهم.

فقال أوائل النسطورية: إن عيسى هو الله. وقال أوائل اليعاقبة: إنه ابن الله. وقال أوائل الملكانية: إن الآلهة ثلاثة: أحدهم عيسى. ثم عدل أواخرهم عن التصريح بهذا القول المستنكر، حين استنكرته النفوس، ودفعته العقول، فقالوا: إن الله تعالى جوهر واحد، هو ثلاثة أقانيم: أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم روح القدس، وأنها واحدة في الجوهرية، وأن أقنوم الأب هو الذات، وأقنوم الابن هو الكلمة، وأقنوم روح القدس هو الحياة، واختلفوا في الأقانيم، فقال بعضهم: هي خواص، وقال بعضهم: هي أشخاص، وقال بعضهم: هي صفات، وقالوا: إن الكلمة اتحدت بعيسى، واختلفوا في الاتحاد.

ثم قال: وليس لهذه المذاهب شبهة تقبلها العقول، وفسادها ظاهر في المعقول. وقوله تعالى: ﴿ انتهوا ﴾ أي: عن التثليث ﴿ خيرا لكم ﴾ أي: انتهاء خيرا، أو اقصدوا خيرا من التثليث وهو التوحيد ﴿ إنما الله إله واحد ﴾ أي: بالذات، لا تعدد فيه بوجه ما. وبقوله: ﴿ سبحانه أن يكون له ولد ﴾ تنزيه لمقامه جل شأنه، عما زعموه من نبوة عيسى، حيث قالوا: إنه الله وابن الله، والذي أوقعهم في هذه المهلكة الوخيمة، والورطة الجسيمة، ما ورد موهما من ألفاظ الإنجيل كالأب والابن، فلم يحملوها على ما أريد منها، وحملوها على ظاهرها، فضلوا وأضلوا. وفي (منية الأذكياء) ما نصه: وأما ما ورد في الإنجيل الموجود الآن، من إطلاق ابن الله على عيسى عليه السلام، فهو - إن لم يكن مما حرف - يكون مجازا، بمعنى ابن المحبة، كما يقال: فلان من أبناء الدنيا، ونظير ذلك قول عيسى عليه السلام لليهود، حين ادعوا أن لهم أبا واحدا هو الله: (لو كان الله أباكم لكنتم تحبونني)، ثم قال لهم. (أنتم من أب هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا) ادعت اليهود أن الله تعالى أبوهم، أي: أنهم مطيعون له إطاعة الابن للأب، فكذبهم عيسى عليه السلام وجعلهم أبناء الشيطان، أي أنهم مطيعون له، ولا يخفى أن الابن والأب هنا مجازان. وقد كثر إطلاق اسم الأب على الله تعالى، واسم الابن على العبد الصالح، ي الكتب السالفة، فهو إما من الخبط في الترجمة، وإما مؤول بما ذكرنا، فلا تغفل، لكن قد منع من هذا الإطلاق في الملة المحمدية بالكلية، تحرزا من الإيهام والوقوع في شرك الأوهام، وهذا هو الطريق الرشد. وقوله تعالى: ﴿ له ما في السموت وما في الأرض ﴾ تعالى لتنزهه مما نسب إليه، بمعنى أن كل ما فيهما خلقه وملكه، فكيف يكون بعض ملكه جزءا منه؟ إذ النبوة والملك لا يجتمعان ﴿ وكفى بالله وكيلا ﴾ أي: إليه يكل كل الخلق أمورهم، وهو غني عنهم، فأنى يتصور في حقه اتخاذ الولد، الذي هو شأن العجزة المحتاجين في تدبير أمورهم إلى من يخلفهم ويقوم مقامهم، وقوله تعالى:

محاسن التأويل · الصفحة ٧٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٧٩