ثم قال: ومسألة الحرف والصوت تساق هذا المساق، فإن الله تعالى قد تكلم بالقرآن المجيد بجميع حروفه، فقال تعالى:
المص
[الأعراف: 1] وقال:
ق والقرآن المجيد
[ق: 1]، وكذلك جاء في الحديث:
" فينادي يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب "
، وفي الحديث:
" لا أقول: (الم) حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف "
فهؤلاء ما فهموا من كلام الله إلا ما فهموه من كلام المخلوقين، قالوا: إذا قلنا بالحرف فإن ذلك يؤدي إلى القول بالجوارح واللهوات، وكذلك إذا قلنا بالصوت أدى ذلك إلى الحلق والحنجرة، فعملوا بهذا من التخبيط كما عملوا فيما تقدم من الصفات، والتحقيق هو أن الله تعالى تكلم بالحروف كما يليق بجلاله وعظمته فإنه قادر - والقادر لا يحتاج إلى جوارح ولا إلى لهوات، وكذلك له صوت يليق به يسمع، ولا يفتقر ذلك الصوت المقدس إلى الحلق والحنجرة، فكلام الله كما يليق به، وصوته كما يليق به، ولا ننفي الحرف والصوت عن كلامه سبحانه، لافتقارهما منا إلى الجوارح واللهوات، فإنهما في جناب الحق لا يفتقران إلى ذلك، وهذا ينشرح الصدر له ويستريح الإنسان به من التعسف والتكلف بقوله: هذا عبارة عن ذلك، فإن قيل: هذا الذي يقرؤه القارئ هو عين قراءة الله وعين تكلمه هو؟ قلنا: لا، بل القارئ يؤدي كلام الله، والكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدئا، لا إلى من قاله مؤديا مبلغا، ولفظ القارئ في غير القرآن مخلوق، وفي القرآن لا يتميز اللفظ المؤدى عن الكلام المؤدى عنه، ولهذا منع السلف من قول (لفظي بالقرآن مخلوق) لأنه لا يتميز، كما منعوا عن قول (لفظي بالقرآن غير مخلوق) فإن لفظ العبد في غير التلاوة مخلوق وفي التلاوة مسكوت عنه، كيلا يؤدي الكلام في ذلك إلى القول بخلق القرآن، وما أمر السلف بالسكوت عنه، يجب السكوت عنه، والله الموفق والمعين.
تنبيه
قال في (العناية): القراءة المشهورة في الآية رفع الجلالة الشريفة، وقرئ بنصبها في الشواذ. انتهى.
قال الحافظ ابن كثير: روى الحافظ أبو بكر بن مردويه أن رجلا جاء إلى أبي بكر بن عياش فقال: سمعت رجلا يقرأ: وكلم الله موسى تكليما، فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر، قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي على علي بن أبي طالب، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وكلم الله موسى تكليما ﴾.
وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش رحمه الله، على من قرأ كذلك، لأنه حرف لفظ القرآن ومعناه، وكان هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون الله كلم موسى عليه السلام، أو يكلم أحدا من خلقه، كما رويناه عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ: ﴿ وكلم الله موسى تكليما ﴾ ، فقال له: يا ابن اخنا! كيف تصنع بقوله تعالى:
ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه
[الأعراف: 143] يعني أن هذا لا يحتمل التحريف ولا التأويل.