تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: وقد اشتهرت هذه المنارة بمئذنة عيسى.

وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في (تاريخه) عن بعض السلف؛ أن عيسى عليه السلام، بعد نزوله، يدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجرته، فالله أعلم.

والتأويل المذكور في الآية رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير والعوفي، كلاهما عن ابن عباس.

وروى ابن أبي حاتم بسنده عن الضحاك عن ابن عباس في الآية قال: يعني اليهود خاصة، وبه إلى الحسن: يعني: النجاشي وأصحابه.

وبه إليه قال: إن الله رفع إليه عيسى وهو باعثه قبل يوم القيامة، مقاما يؤمن به البر والفاجر.

وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد.

قال ابن كثير: وهذا القول هو الحق. وروي عن ابن عباس أيضا ومحمد بن الحنفية ومجاهد وعكرمة ومحمد بن سيرين والضحاك وجويبر؛ أن المعنى: وإن من أهل الكتاب إلا يؤمنن بعيسى قبل موت ذلك الكتابي عند الغرغرة، حين لا ينفعه الإيمان، ذهابا إلى أنه إذا عاين علم الحق من الباطل، لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه.

قال عكرمة: قال ابن عباس: لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله.

ولو عجل بالسلاح.

قال الزمخشري: فإن قلت: ما فائدة الإخبار بإيمانهم بعيسى قبل موتهم؟ قلت: فائدته الوعيد، وليكون علمهم بأنهم لا بد لهم من الإيمان به عن قريب، عند المعاينة، وأن ذلك لا ينفعهم - بعثا لهم وتنبيها على معاجلة الإيمان به في أوان الانتفاع به، وليكون إلزاما للحجة لهم انتهى.

قال الأصبهاني: ويدل على صحة هذا التأويل قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه: " إلا ليؤمنن به قبل موتهم " بضم النون وإلحاق ميم الجمع.

والأسانيد إلى ابن عباس في هذا التأويل كلها صحيحة، كما قاله ابن كثير.

وثمة وجه آخر وهو أن الضمير الأول للنبي صلى الله عليه وسلم، والثاني للكتابي.

رواه ابن جرير: عن عكرمة قال: لا يموت النصراني ولا اليهودي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وتلا الآية. قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب، بعد نزول عيسى عليه السلام، إلا آمن به قبل موته أي: قبل موت عيسى عليه السلام.

قال ابن كثير: ولا شك أن الذي قاله ابن جرير هو الصحيح، لأنه المقصود من سياق الآي، في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله تعالى أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبه، وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف).

فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم.

ثم قال: فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى: أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما السلام - فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلا به فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له، إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى: في أول هذه السورة:

وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن...

[النساء: 18]، وقال تعالى:

فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده...

[غافر: 84] الآية. ﴿ ويوم القيامة يكون ﴾ أي: عيسى عليه السلام: ﴿ عليهم ﴾ أي: على أهل الكتاب ﴿ شهيدا ﴾ أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء، وبعد نزوله إلى الأرض. قال قتادة: يشهد عليهم أنه قد بلغهم الرسالة من الله، وأقر بعبوديته لله عز وجل، وهكذا كقوله تعالى:

محاسن التأويل · الصفحة ٧٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٥٨