تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وذكر فيه أيضا: لم ترد أحاديث صحيحة عن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفي صلبه، وفيه أيضا: أن هذه الآية يصح تأويلها إيجابيا طبقا لما في الإنجيل، بما أن عدة آيات أخرى قرآنية مجانسة لها أولت بخلاف ظاهرها اللفظي، كأفعال المبايعة والرمي والموت والحياة وما أشبه ذلك، التي نسبت صريحا لغير فاعلها الظاهر.

وقال في الفصل العاشر: أما قولنا إن القرآن العزيز قصد نفي نسبة فعل الصلب لليهود وإسناده لله حقيقة، فهو استناد على قوله:

فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى

[الأنفال: 17]، وقوله:

إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم

[الفتح: 10]، فهنا الفاعل الظاهر حسا وفعلا إنما هو الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، ولكن الفاعل الحقيقي إنما هو الله الفاعل كل شيء في الكل.

ثم قال: وربما يعترض أنه ذكر في الآية نفسها أن الله رمى، وإنه تعالى هو المبايع، فنقول: كذلك في آي الصلب وإخباره مرارا عديدة صرح في الإنجيل أن الفاعل والمسلم والبازل والحاكم والآذن في أمر الصلب إنما هو الله جل جلاله.

ثم قال: نقول أخيرا: إن آية الصلب القرآنية هي صحيحة في ذاتها تماما وكمالا، ومطابقة أشد المطابقة لما ورد في نفس القرآن بهذا الشأن، ولكل فحوى أسفار الميثاقين أو العهدين بكل بيان، إنما تفسيرها بمطلق النفي كان وما زال غلطا وضد الحقيقة والذوق اللغوي، وضد ما جانسها في الآي الأخرى من نفس القرآن، ومن نصوص سائر الكتب المنزلة، ولا سيما الإنجيل، الذي زبدته وروحه وقوامه وخلاصته هي كون المسيح صلب ومات وقام وعرج إلى السماء، وأرسل البارقليط الآخر الرسول محمدا مبلغ القرآن العظيم، الحاوي روح الصدق والحق، والمذكر بكل ما قال المسيح في الإنجيل الشريف.

ثم قال: إن إنكار أمر الصلب أو إثباته ليس من الأركان في الدين عند المحمديين، ولا هو محرم قطعا الاختلاف في تفسير بعض آيات، وقد وجد ويوجد عدة اختلافات عند اليهود والنصارى والمسلمين، وليس ذلك محرما إلا إذا آل لإنكار أو لإفساد نفس الآيات، أو إيقاع الشبهة على ذات نصوص الوحي، ففي آية الصلب ليس شيء من ذلك، بل بالعكس تأييد كل النصوص الإلهية.

هذا خلاصة ما أورده في رسالته، وقد رد عليه من الفضلاء المسلمين عدد وافر، في تآليف بديعة، منها كتاب (السيوف البتارة) اعتمد مؤلفها في إيراد حججها على التواريخ الإفرنجية المعول عليها، فإن الإفرنج أعرف من غيرهم بحقيقة ما يهمهم، وأبعد من مظنة التشيع في شهادتهم على أنفسهم، في أمر دينهم.

قال رعاه الله: يعلم الواقف على حقائق التاريخ أن مسألة الصلب من أهم المسائل التي ولدت الشقاق والنفرة فيما بين النصارى عموما ونصارى مصر والشام في الأجيال الأولى خصوصا، فإنهم كانوا غالبا يرفضون حصول الصلب رفضا باتا، لأن بعضهم كان يعتبره إهانة لشرف المسيح، ونقصا فاضحا، والبعض الآخر كان يجحده ارتكانا على الأدلة التاريخية، وهؤلاء الجاحدون للصلب طوائف كثيرة، منها: الساطرنيوسيون والمركيونيون والبارديسيانيون والتاتيانيسيون والكاربوكراتيون والمانيسيون والبارسكاليونيون والبوليسيون، إذ كلهم اعتقدوا، مع كثيرين غيرهم، بأنه لا يمكنهم أن يسلموا بنوع من الأنواع، أن المسيح سمر فعلا، أو مات على الصليب حقيقة، حتى استخفوا بالصليب والصلب، وقال بعض المؤرخين الأفاضل: إن الخلاف الذي وقع بين النصارى في مبدأ الأمر الذي كان سببا في انسلاخ جملة طوائف وتشتتها واعتبارها في رأي آخرين مارقة من الدين، ولكن هذه الطوائف المضطهدة الهضومة كانت أفكارها منطبقة على الأصول النصرانية عقلا ونقلا، بخلاف أفكار مضطهديهم، فإن هذه الطوائف بنت على ألوهية عيسى عليه الصلاة والسلام أنه لا يجوز أن يمتهن، واستنتجت من هذا أنه لم يصلب قطعا، وأن ألفاظ التوجع والتضجر، التي نسبتها إليه كتب النصارى المتأخرين، لم يتفوه بها ولا تصح نسبتها إليه، وبالجملة إن الشخص المصلوب غير عيسى قطعا، وأنه عليه الصلاة والسلام لم تسلط عليه أيدي مضطهديه، بل رفع إلى السماء، ومن القائلين، بهذه الأفكار الدوسيتية والمرسيونية والفلنطانيائية، وغير خاف أنه حتى على فرض البنوة فقط، لا يمكن عقلا أن يتصور صلبه.

محاسن التأويل · الصفحة ٧٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٤٩