انتهى.
وقال الإمام ابن حزم رحمه الله فكتابه (الملل) عند الكلام على النصارى: ومما يعترض به علينا اليهود والنصارى ومن ذهب إلى إسقاط الكواف (جمع كافة) من سائر الملحدين، أن قال قائلهم: قد نقلت اليهود والنصارى أن المسيح عليه السلام قد صلب وقتل، وجاء القرآن بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقتل ولم يصلب. فقولوا لنا كيف كان هذا؟ فإن جوزتم على هذه الكواف العظام المختلفة الأهواء والأديان والأزمان والبلدان والأجناس نقل الباطل فليست بذلك أولى من كافتكم التي نقلت أعلام نبيكم وشرائعه وكتابه. فإن قلتم: اشتبه عليهم، فلم يتعمدوا نقل الباطل، فقد جوزتم التلبيس على الكواف، فلعل كافتكم أيضا ملتبس عليها. فليس سائر الكواف أولى بذلك من كافتكم، وقولوا لنا: كيف فرض الإقرار بصلب المسيح عندكم قبل ورود الخبر عليكم ببطلان صلبه وقتله؟ فإن قلتم: كان الفرض على الناس الإقرار بصلبه، وجب من قولكم الإقرار أن الله تعالى فرض على الناس الإقرار بالباطل، وأن الله تعالى فرض على الناس تصديق الباطل والتدين به، وفي هذا ما فيه. وإن قلتم: كان الفرض عليكم الإنكار لصلبه، فقد أوجبتم أن الله تعالى فرض على الناس تكذيب الكواف، وفي هذا إبطال قول كافتكم، بل إبطال جميع الشرائع، بل إبطال كل خبر كان في العالم عن كل بلد وملك ونبي وفيلسوف وعالم؛ ووقعتم، وفي هذا ما فيه.
قال أبو محمد رضي الله عنه: هذه الإلزامات كلها فاسدة في غاية الحوالة والاضمحلال بحمد الله تعالى. ونحن مبينون ذلك بالبراهين الضرورية بيانا لا يخفى على من له أدنى فهم بحول الله تعالى وقوته. فنقول وبالله التوفيق: إن صلب المسيح لم يقله قط كافة، ولا صح بالخبر قط؛ لأن الكافة التي يلزم قبول نقلها هي إما الجماعة التي يوقن أنها لم تتواطأ لتنابذ طرقهم، وعدم التقائهم، وامتناع اتفاق خواطرهم على الخبر الذي نقلوه عن مشاهدة، أو رجع إلى مشاهدة، ولو كانوا اثنين فصاعدا. وإما أن يكون عدد كثير يمتنع منه الاتفاق في الطبيعة على التمادي على سنن ما تواطؤوا عليه، فأخبروا بخبر شاهدوه ولم يختلفوا فيه، فما نقله أحد أهل هاتين الصفتين عن مثل إحداهما، وهكذا حتى يبلغ إلى مشاهدة، فهذه صفة الكافة التي يلزم قبول نقلها، ويضطر خبرها سامعها إلى تصديقه، وسواء كانوا عدولا أو فساقا أو كفارا، ولا يقطع على صحته إلا ببرهان. فلما صح ذلك نظرنا فيمن نقل خبر صلب المسيح عليه السلام، فوجدناه كواف عظيمة صادقة لا شك في نقلها جيلا بعد جيل إلى الذين ادعوا مشاهدة صلبه، فإن هنالك تبدلت الصفة ورجعت إلى شرط مأمورين مجتمعين مضمون منهم الكذب وقبول الرشوة على قول الباطل. والنصارى مقرون بأنهم لم يقدموا على أخذه نهارا خوف العامة، وإنما أخذوه ليلا عند افتراق الناس عن الفصح، وأنه لم يبق في الخشبة إلا ست ساعات من النهار، وأنه أنزل إثر ذلك، وأنه لم يصلب إلا في مكان نازح عن المدينة في بستان فخار متملك للفخار، ليس موضعا معروفا بصلب من يصلب، ولا موقوفا لذلك، وأنه بعد هذا كله رشي الشرط على أن يقولوا إن أصحابه سرقوه ففعلوا ذلك، وإن مريم المجدلانية وهي امرأة من العامة، لم تقدم على حضور موضع صلبه، بل كانت واقفة على بعد تنظر، هذا كله في نص الإنجيل عندهم، فبطل أن يكون صلبه منقولا بكافة، بل بخبر يشهد ظاهره على أنه مكتوم متواطأ عليه. وما كان الحواريون ليلتئذ، بنص الإنجيل إلا خائفين على أنفسهم، غيبا عن ذلك المشهد، هاربين بأرواحهم مستترين. وأن شمعون الصفاغرر ودخل دار قيقان الكاهن أيضا بضوء النهار فقال له: أنت من أصحابه؟ فانتفى وجحد، وخرج هاربا عن الدار. فبطل أن ينقل خبر صلبه أحد تطيب النفس عليه على أن نظن به الصدق، فكيف أن ينقله كافة؟ وهذا معنى قوله تعالى: