تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لي الواجد يحل عرضه وعقوبته "

، وأما من لم يظلم فجهره بالسوء داخل في الغيبة المحظورة.

فوائد

قال بعض مفسري الزيدية: أفادت الآية جواز الجهر بالدعاء على الظالم والجهر بمساويه، ودلت على أن من جهر بكلمة الكفر مكرها، لم يكفر، لأنه مظلوم، وإذا ثبت بطلان حكم لفظ (الكفر) مع الظلم، فكذا يلزم في سائر الأحكام من البيع والعتاق والطلاق والإقرار، ثم قال: والمحبة ههنا بمعنى الإباحة، لا أن ذلك يريده الله تعالى.

أقول: هذه نزعة اعتزالية.

ثم قال: وتسميته سوءا، لكونه يسوء المقول فيه، وإلا فليس بقبيح في هذه الحال.

ثم قال: وقول من قال (إلا) هنا بمعنى (الواو) أي: ومن ظلم، مثل:

وكل أخ مفارقه أخوه

لعمر أبيك إلا الفرقدان

فخلاف الظاهر. انتهى.

وقد نقل في معنى هذه الآية حكم ونوادر بديعة، قال الشعبي: يعجبني الرجل إذا سيم هونا، دعته الأنفة إلى المكافأة،

وجزآء سيئة سيئة مثلها

[الشورى: 40]، فبلغ كلامه الحجاج فقال: لله دره! أي: رجل بين جنبيه! وتمثل:

ولا خير في عرض امرئ لا يصونه

ولا خير في حلم امرئ ذل جانبه

وقال أعرابي لابن عباس رضي الله عنهما: أتخاف علي جناحا إن ظلمني رجل فظلمته؟ فقال له: العفو أقرب للتقوى، فقال:

ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل

[الشورى: 41].

وقال المتنبي:

من الحلم أن تستعمل الجهل دونه

إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم

لطيفة

الاستثناء في قوله تعالى: ﴿ إلا من ظلم ﴾ إما متصل أو منقطع، فعلى الأول فيه وجهان: الأول: قول أبي عبيدة: هذا من باب حذف المضاف، أي: إلا جهر من ظلم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. والثاني: قول الزجاج: المصدر ههنا بمعنى الفاعل، أي: لا يحب الله المجاهر بالسوء إلا من ظلم، وعلى أنه منقطع، فالمعنى لكن المظلوم له أن يجهر بظلامته. وقوله تعالى: ﴿ وكان الله سميعا عليما ﴾ فيه وعد للمظلوم بأنه تعالى يسمع شكواه ودعاءه ويعلم ظلم ظالمه، كما قال تعالى:

ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون

[إبراهيم: 42]، ووعيد له أيضا بأن يتعدى في الجهر المأذون فيه، بل ليقل الحق ولا يقذف بريئا بسوء فإنه يصير عاصيا لله بذلك، ثم حث سبحانه على العفو بعد ما جوز الجهر بالسوء وجعله محبوبا، حثا على الأحب إليه والأفضل عنده، وإلا دخل في الكرم والتخشع والعبودية، فقال سبحانه:

﴿ إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ٧٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٧٢٤