ورأيت للإمام تقي الدين ابن تيمية في كتابه (الفرقان بين الحق والباطل) مقالة بديعة في هذه الآية والإجماع، أجال فيها جواد قلمه وأجاد، وأطال وأطاب، قال رحمه الله: ما يسميه ناس الفروع والشرع والفقه، فهذا قد بينه الرسول أحسن بيان، فما بقي مما أمر الله به أو نهى عنه أو حلله أو حرمه إلا بين ذلك، وقد قال تعالى:
اليوم أكملت لكم دينكم
[المائدة: 3]. وقال تعالى:
ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون
[يوسف: 111]، وقال تعالى:
ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين
[النحل: 89]، وقال تعالى:
وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب
[الشورى: 10]، وقال تعالى:
وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون
[التوبة: 115]، فقد بين للمسلمين جميع ما يتقونه كما قال:
وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه
[الأنعام: 119]، وقال تعالى:
فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول
[النساء: 59]، وهو الرد إلى كتاب الله، أو إلى سنة الرسول، بعد موته.
وقوله: ﴿ فإن تنازعتم ﴾ شرط، والفعل نكرة في سياق الشرط، فأي شيء تنازعوا فيه ردوه إلى الله والرسول، ولو لم يكن بيان الله والرسول فاصلا للنزاع لم يؤمروا بالرد إليه، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ".
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلام نحو هذا، والحاصل أن الكتاب والسنة وافيان بجميع أمور الدين، وأما إجماع الأمة فهو في نفسه حق، لا تجتمع الأمة على ضلالة، وكذلك القياس الصحيح حق، فإن الله بعث رسله بالعدل وأنزل الميزان مع الكتاب، والميزان يتضمن العدل وما يعرف به العدل، وقد فسروا إنزال ذلك بأن ألهم العباد معرفة ذلك، والله ورسوله يسوي بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين وهذا هو القياس الصحيح، وقد ضرب الله في القرآن من كل مثل، وبين بالقياس الصحيح، وهي الأمثال المضروبة، ما بينه من الحق، لكن القياس الصحيح يطابق النص، فإن الميزان يطابق الكتاب، والله أمر نبيه أن يحكم بالعدل، فهو أنزل الكتاب، وإنما أنزل الكتاب بالعدل، قال تعالى:
وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله
[المائدة: 49].
وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط
[المائدة: 42]. وأما إجماع الأمة فهو حق، لا تجتمع الأمة، ولله الحمد، على ضلالة، كما وصفها الله بذلك في الكتاب والسنة، فقال تعالى:
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله
[آل عمران: 110]، وهذا وصف لهم بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر، فلو قالت الأمة في الدين بما هو ضلال لكانت لم تأمر بالمعروف في ذلك، ولم تنه عن المنكر فيه، وقال تعالى:
وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا
[البقرة: 143]، والوسط العدل الخيار. وقد جعلهم الله شهداء على الناس وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول. وقد ثبت في الصحيح
" أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال: " وجبت ". ثم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا، فقال: " وجبت ". قالوا: يا رسول الله! ما قولك: " وجبت؟ " قال: " هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا، فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا، فقلت: وجبت لها النار أنتم شهداء الله في الأرض " ".
فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء لم يشهدوا بباطل، فإذا شهدوا أن الله أمر بشيء فقد أمر به، وإذا شهدوا أن الله نهى عن شيء فقد نهى عنه، ولو كان يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء الله في الأرض. وقال تعالى:
واتبع سبيل من أناب إلي
[لقمان: 15]، والأمة منيبة إلى ربها فيجب اتباع سبيلها وقال تعالى: