تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن يشاقق الرسول

[النساء: 115] الآية، وهجاه حسان بن ثابت حتى رجع، وكان ذلك في شهر ربيع سنة أربع من الهجرة. انتهى.

وأما إيضاح ألفاظ الآيات وثمراتها فنقول: قوله تعالى: ﴿ لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ﴾ أي: بما عرفك وأعلمك وأوحى به إليك، سمي ذلك العلم بالرؤية، لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جاريا مجرى الرؤية، في القوة والظهور.

قال الزمخشري: وعن عمر رضي الله عنه: لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله، فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم، لكن ليجتهد رأيه، لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيبا، لأن الله كان يريه إياه، وهو منا الظن والتكلف.

قلت: روى هذا الأثر البيهقي في (المدخل) وابن عبد البر، بنحو ما ذكر.

قال ابن الفرس: في هذه الآية إثبات الرأي والقياس، وتعقبه السيوطي بما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: إياكم والرأي، فإن الله تعالى قال لنبيه: ﴿ لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ﴾ ولم يقل: بما رأيت. ثم قال السيوطي: وقال غيره: يحتمل قوله: ﴿ بمآ أراك الله ﴾ الوحي والاجتهاد معا. انتهى.

وقال ابن كثير: احتج من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان صلى الله عليه وسلم له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة؛

" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: " ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو ليذرها ".

ورواه الإمام أحمد عنها أيضا بلفظ:

" جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواريث بينهما قد درست، ليس بينهما بينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته (أو قد قال: لحجته) من بعض، فإني أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار، يأتي بها إسطاما في عنقه يوم القيامة ". فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما إذا قلتما، فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق بينكما، ثم استهما، ثم ليحلل كل منكما صاحبه " ".

وقد رواه أبو داود وزاد:

" إني إنما أقضي بينكما برأيي، فيما لم ينزل علي فيه "

انتهى.

قال السيوطي: وفي الآية الرد على من أجاز أن يكون الحاكم غير عالم، لأن الله تعالى فوض الحكم إلى الاجتهاد، ومن لا علم عنده كيف يجتهد؟ انتهى. وقوله تعالى: ﴿ ولا تكن للخآئنين ﴾ أي: لأجلهم والذب عنهم، وهم طعمة و من يعينه من قومه على ما تقدم ﴿ خصيما ﴾ أي: مخاصما، وفيه أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق. وقوله تعالى: ﴿ واستغفر الله ﴾ أي: مما قلت لقتادة، كما تقدم مفسرا.

قال الرازي: تمسك بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء، وقالوا: لو لم يقع من الرسول صلى الله عليه وسلم ذنب لما أمر بالاستغفار، ثم أجاب عن ذلك بوجوه. وقال القاضي عياض في (الشفا): إن تصرف الأنبياء عليهم السلام بأمور لم ينهوا عنها ولا أمروا بها، ثم عوتبوا بسببها، أو أتوها على وجه التأويل - إنما هي ذنوب بالإضافة إلى علي منصبهم وإلى كمال طاعتهم، لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم، وأطال في هذا المقام وأطاب، ثم قال: وأيضا، فإن في التوبة والاستغفار معنى آخر لطيفا أشار إليه بعض العلماء، وهو استدعاء محبة الله، قال الله تعالى:

إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين

[البقرة: 222]. انتهى. وقوله تعالى: ﴿ ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ﴾ أي: يخونونها بالمعصية، جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم، كما جعلت ظلما لها لرجوع ضررها إليهم.

محاسن التأويل · الصفحة ٦٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٦٨٣