وما روياه عن صالح بن خوات عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع؛ أن الطائفة صف معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما، فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، فأتموا لأنفسهم فسلم بهم. (قلت): بمراجعة ما أسلفناه في المقدمة من قاعدة سبب النزول يندفع الإشكال، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ضجنان وعسفان فقال المشركون: لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم، وهي العصر، فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة، وأن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يقسم أصحابه شطرين، فيصلي بهم وتقوم طائفة أخرى وراءهم، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، فتكون لهم ركعة وللنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان، أخرجه أصحاب السنن.
ثم رأيت القرطبي بحث في (تفسيره) نحو ما سبق لي حيث قال: وما ذكرناه من سبب النزول في قصة خالد بن الوليد، لا يلائم تفريق القوم إلى طائفتين، ثم قال (بعد رواية حديث أبي هريرة المذكور) قلت: ولا تعارض بين هذه الروايات، فلعله صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة أخرى مفترقين. انتهى. الرابع: ظاهر الآية الكريمة الترخيص لكل طائفة بركعة واحدة، لأنه لم يبين فيها حال الركعة الباقية، وقد روى النسائي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بذي قرد فصف الناس خلفه صفين: صفا خلفه وصفا موازي العدو، فصلى بالذين خلفه ركعة، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا ركعة. وكذا روى أبو داود والنسائي أيضا عن حذيفة أنه صلى بطبرستان بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. وروى أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض الله الصلاة على نبيكم صلى الله عليه وسلم، في الحضر، أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، فهذه الأحاديث تدل على أن من صفة صلاة الخوف، الاقتصار على ركعة لكل طائفة.
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): وبالاقتصار على ركعة واحدة في الخوف، يقول الثوري وإسحاق ومن تبعهما، وقال به أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين، ومنهم من قيد بشدة الخوف. وقال الجمهور: قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد، وتأولوا هذه الأحاديث بأن المراد بها ركعة من الإمام وليس فيها نفي الثانية، ويرد ذلك قوله في حديث ابن عباس وحذيفة: (ولم يقضوا ركعة) وكذا قوله في حديث ابن عباس الثاني: (وفي الخوف ركعة) وأما تأويلهم قوله: (لم يقضوا) بأن المراد منه لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن - فبعيد جدا، كذا في (نيل الأوطار) نعم.
وقع في حديث ابن عمر المتفق عليه وقد قدمناه: ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة، وعند أبي داود من حديث ابن مسعود: ثم سلم، وقام هؤلاء فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا ذم ذهبوا، ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا، وبالتحقيق، كل ما روي هو من صورها الجائزة، ولما ذكر الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) هديه صلى الله عليه وسلم في أدائها، قال في آخر صورة: وتارة كان يصلي بإحدى الطائفتين ركعة فتذهب ولا تقضي شيئا، وتجيء الأخرى فيصلي بهم ركعة ولا تقضي شيئا، فيكون له صلى الله عليه وسلم ركعتان، ولهم ركعة ركعة، وهذه الأوجه كلها يجوز الصلاة بها.
قال الإمام أحمد: كل حديث يروى في باب صلاة الخوف فالعمل به جائز. انتهى.
وقال ابن كثير: صلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صوبها، ثم تارة يصلون جماعة وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ورجالا وركبانا، ولهم أن يمشوا والحالة هذه، ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة، ومن العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة لحديث ابن عباس المتقدم، وبه قال أحمد بن حنبل. قال المنذري: وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد، وإليه ذهب طاوس والضحاك، وقد حكى أبو عاصم العبادي عن محمد بن نصر المروزي أنه يرى رد الصبح إلى ركعة في الخوف، وإليه ذهب ابن حزم أيضا، وقال إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومئ بها إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة، لأنها ذكر الله، وقال آخرون: يكفي تكبيرة واحدة، فلعله أراد ركعة واحدة، كما قاله الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه، وبه قال جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وكعب وغير واحد من الصحابة والسدي، ورواه ابن جرير، ولكن الذين حكوه إنما حكوه على ظاهره في الاجتزاء بتكبيرة واحدة، كما هو مذهب إسحاق بن راهويه، وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بخت المكي حتى قال: فإن لم يقدر على التكبيرة فلا يتركها في نفسه، يعني بالنية، رواه سعيد بن منصور في (سننه) عن إسماعيل بن عياش عن شعيب بن دينار عنه، فالله أعلم، ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب الظهر والعصر، فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب ثم العشاء، وكما قال بعدها، يوم بني قريظة حين جهز إليهم الجيش: