قال ابن كثير: فقوله تعالى: ﴿ كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ﴾ أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع، وكما قال تعالى:
واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض...
[الأنفال: 26] الآية، وهذا وجه آخر في مرجع الإشارة، غير ما سلف، وهو الأدق، وبالقبول أحق.
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): يستفاد من هذه الرواية (أي: رواية البزار) تسمية القاتل، وأما المقتول، فروي الثعلبي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة نحوه، واللفظ للكلبي: أن اسم المقتول مرداس بن نهيك، من أهل فدك، وأن اسم القاتل أسامة بن زيد، وأن اسم أمير السرية غالب بن فضالة الليثي، وأن قوم مرداس لما انهزموا بقي هو وحده، وكان ألجأ غنمه بجبل، فلما لحقوه قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد، فلما رجعوا نزلت الآية.
وكذا أخرج الطبري من طريق السدي نحوه، وفي آخر رواية قتادة: لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال: أنزلت هذه الآية في مرداس، وهذا شاهد حسن، وأسند ابن أبي حاتم أن أسامة حلف لا يقتل رجلا يقول: لا إله إلا الله، بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.
قال بعض المفسرين من أئمة الزيدية: وبهذا اعتذر إلى علي عليه السلام حتى تخلف عنه، وإن كان عذرا غير مقبول، لأن القتال مع الإمام واجب عند خروج البغاة ويكفر يمينه. قال الحاكم: إلا أن أمير المؤمنين أذن له. انتهى.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن أبي حدرد رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، معه متيع له (تصغير متاع، وهو السلعة) ورطب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله، لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ﴾ - إلى قوله - ﴿ خبيرا ﴾. ورواه ابن جرير عن ابن عمر وزاد:
" فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا غفر الله لك " ، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات ودفنوه في الأرض، فلفظته الأرض، فجاؤوا إلى النبي فذكروا ذلك له، فقال: " إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم "
، ثم طرحوه بين صدفي جبل، وألقوا عليه الحجارة ونزلت.
وروى أئمة السير؛ أنه لما كان عام خيبر، جاء عيينة بن بدر يطلب بدم عامر وهو سيد قيس، وكان الأقرع بن حابس يرد عن محلم وهو سيد خندف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم عامر:
" هل لكم أن تأخذوا منا الآن خمسين بعيرا، وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة؟ "
فقال عيينة بن بدر: والله! لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحر مثل ما أذاق نسائي، فلم يزل به حتى رضي بالدية.
قال ابن إسحاق: وحدثني سالم بن النضر قال: لم يقبلوا الدية حتى قام الأقرع بن حابس فخلا بهم: فقال: يا معشر قيس! سألكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه، أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيغضب عليكم الله لغضبه؟ أو يلعنكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيلعنكم الله بلعنته؟ والله! لتسلمنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآتين بخمسين من بني تميم كلهم يشهدون أن القتيل ما صلى قط، فلأبطلن دمه، فلما قال ذلك أخذوا الدية.