تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه، فأخذ كل واحد ستمائة ألف دينار ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس، أي: يسألهم بكفه.

وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان، والمسموعة عما قبله، عبرة لكل ذي لب، وقد دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الولاية أمانة يجب أداؤها، في موضع مثل ما تقدم، ومثل قوله لأبي ذر رضي الله عنه في الإمارة:

" إنها أمانة، وإنها، يوم القيامة حسرة وندامة. إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه "

فيما رواه مسلم.

وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" " إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة ". قيل: يا رسول الله! وما إضاعتها؟ قال: " إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة " ".

وقد أجمع المسلمون على هذا.

ثم قال ابن تيمية رحمه الله: القسم الثاني: أمانات الأموال كما قال تعالى في الديون:

فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه

[البقرة: 283]، ويدخل في هذا القسم: الأعيان والديون الخاصة والعامة، مثل رد الودائع ومال الشريك والموكل والمضارب ومال المولى من اليتيم وأهل الوقف ونحو ذلك، وكذلك وفاء الديون من أثمان المبيعات وبدل القرض وصدقات النساء وأجور المنافع ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى:

إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دآئمون * والذين في أمولهم حق معلوم * للسآئل والمحروم

[المعارج: 19-25] - إلى قوله -:

والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون

[المعارج: 32]، وقال تعالى:

إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما

[النساء: 105]، أي: لا تخاصم عنهم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

" المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسه في ذات "

، وهو حديث صحيح، بعضه في الصحيحين وبعضه في سنن الترمذي، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

" من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله "

، رواه البخاري.

وإذا كان الله تعالى قد أوجب أداء الأمانات التي قبضت بحق، ففيه تنبيه على وجوب أداء الغصب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم، وكذلك أداء العارية، ولينظر تتمة هذا البحث في الرسالة المذكورة، فإن الوقوف عليها من المهمات.

﴿ إن الله نعما يعظكم به ﴾ أي: نعم ما يأمركم به من أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة، و (ما) إما منصوبة موصوفة ب (يعظكم) أو مرفوعة موصولة، كأنه قيل: نعم شيئا يعظكم به، أو نعم الشيء الذي يعظكم به، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها متضمنة لمزيد لطف بالمخاطبين وحسن استدعائهم إلى الامتثال بالأمر. ﴿ إن الله كان سميعا ﴾ لأقوالكم في الأمانات والأحكام: ﴿ بصيرا ﴾ بأفعالكم فيها، فإن سمع ورأى خيرا جازاكم عليه خير الجزاء، وإن سمع ورأى شرا جازاكم عليه، فهو وعد ووعيد. وروى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي يونس قال: سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ - إلى قوله - ﴿ سميعا بصيرا ﴾ ويضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه ويقول: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ويضع إصبعه.

وقال أبو زكريا: وصفه لنا المقري ووضع أبو زكريا إبهامه الأيمن على عينه اليمنى، والتي تليها على الأذن اليمنى، وأرانا، فقال: هكذا، وهكذا، رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وابن مردويه في تفسيره.

وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة، واسمه سليم بن جبير، أفاده ابن كثير.

محاسن التأويل · الصفحة ٦٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٦٠٣