إذا عرف هذا، فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به، ومنها التوكل فمن توكل على غيره فقد شبهه به، ومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به، ومنها الحلف باسمه تعظيما وإجلالا، فمن حلف بغيره فقد شبهه به، هذا في جانب التشبيه، وأما في جانب التشبه به، فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم، والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفا ورجاء، والتجاء واستعانة، فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه غاية الهوان، ويذله غاية الذل ويجعله تحت أقدام خلقه. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال:
" يقول الله عز وجل: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدا منهما عذبته "
، وإذا كان المصور، الذي يصنع الصورة بيده، ومن أشد الناس عذابا يوم القيامة، لتشبهه بالله في مجرد الصنعة - فما الظن بالتشبه بالله في الربوبية والإلهية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم "
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي؟ فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة "
، فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منهما وأكبر، والمقصود أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة، فكيف حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلهيته؟ وكذلك من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا لله وحده، كملك الأملاك وحاكم الحكام ونحوه. وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" إن أخنع الأسماء عند الله رجل يتسمى بشاهان شاه ملك الملوك، ولا ملك إلا الله "
وفي لفظ:
" أغيظ رجل على الله رجل يسمي بملك الأملاك "
، فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له، فهو سبحانه ملك الملوك وحده، وهو حاكم الحكام وحده، فهو الذي يحكم على الحكام كلهم، ويقضي عليهم كلهم، لا غيره.
تنبيه
حيثما وقع في حديث: من فعل كذا فقد أشرك، أو فقد كفر - لا يراد به الكفر المخرج عن الملة، والشرك الأكبر المخرج عن الإسلام الذي تجري عليه أحكام الردة، والعياذ بالله تعالى، وقد قال البخاري: باب كفران العشير وكفر دون كفر.
قال القاضي أبو بكر ابن العربي في (شرحه): مراده أن يبين أن الطاعات، كما تسمى إيمانا، كذلك المعاصي تسمى كفرا، لكن حيث يطلق عليها الكفر لا يراد عليه الكفر المخرج عن الملة، فالجاهل والمخطئ من هذه الأمة، ولو عمل من الكفر والشرك ما يكون صاحبه مشركا أو كافرا، فإنه يعذر بالجهل والخطأ، حتى تتبين له الحجة، الذي يكفر تاركها، بيانا واضحا ما يلتبس على مثله، وينكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام مما أجمعوا عليه إجماعا جليا قطعيا، يعرفه كل من المسلمين من غير نظر وتأمل، كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، ولم يخالف في ذلك إلا أهل البدع.
قال الشيخ تقي الدين في (كتاب الإيمان): لم يكفر الإمام أحمد الخوارج ولا المرجئة ولا القدرية، وإنما المنقول عنه وعن أمثاله تكفير الجهمية، مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية، ولا كل من قال: أنا جهمي - كفره، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم، وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة: ولم يكفرهم أحمد وأمثاله بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم ويدعو لهم ويرى لهم الائتمام بالصلاة خلفهم، والحج والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم بما يراه لأمثالهم من الأئمة، وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا هم أنه كفر، كان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة وإن كانوا جهالا مبتدعين، وظلمة فاسقين. انتهى كلام الشيخ، فتأمله تأملا خاليا عن الميل والحيف.