" حيثما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره "
، وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة في الرمل فالرمل له طهور. ولما سافر صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه في غزوة تبوك، قطعوا تلك الرمال في طريقهم، وماؤهم في غاية القلة، ولم يرو عنه أنه حمل معه التراب، ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه، مع القطع بأن في المفاوز، الرمال أكثر من التراب، وكذلك أرض الحجاز وغيره، ومن تدبر هذا، قطع بأنه كان يتيمم بالرمل، والله أعلم. وهذا قول الجمهور.
وأما ما ذكر في صفة التيمم من وضع بطون أصابع يده اليسرى على ظهور اليمنى، ثم إمرارها إلى المرفق، ثم إدارة بطن كفه على بطن الذراع، وإقامة إبهامه اليسرى كالمؤذن إلى أن يصل إلى إبهامه اليمنى، فيطبقها عليها - فهذا مما يعلم قطعا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ولا علمه أحدا من أصحابه، ولا أمر به، ولا استحسنه، وهذا هديه، إليه التحاكم، وكذلك لم يصح عنه التيمم لكل صلاة، ولا أمر به، بل أطلق وجعله قائما مقام الوضوء. وهذا يقتضي أن يكون حكمه حكمه، إلا فيما اقتضى الدليل خلافه. انتهى.
السابعة: ذكر هنا الحافظ ابن كثير سبب مشروعية التيمم قال: وإنما ذكرنا ذلك ههنا، لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على آية المائدة، وبيانه: أن هذه نزلت قبل تحريم الخمر، والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير، في محاصرة النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير، وأما المائدة فإنها من آخر ما نزل، ولا سيما صدرها، فناسب أن يذكر السبب هنا، وبالله الثقة.
قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة، أنها استعارت من أسماء قلادة. فهلكت، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا في طلبها، فوجدوها. فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل التيمم، فقال أسيد بن الحضير لعائشة: جزاك الله خيرا، فوالله! ما نزل بك أمر تكرهينه، إلا جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرا.
طريق أخرى: قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أنبأنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بعض أسفاره: حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش، انقطع عقد لي. فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي، قد نام. فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، فجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم. فتيمموا. فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته. وقد رواه البخاري أيضا عن قتيبة بن سعيد عن مالك. ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك. انتهى كلام ابن كثير.
وأورد الواحدي في (أسباب النزول) هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضا. وقال ابن العربي: لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة. قال ابن بطال: هي آية النساء أو آية المائدة. وقال القرطبي: هي آية النساء، ووجهه بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء، فيتجه تخصيصها بآية التيمم.