تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا "

، وهو متفق عليه من حديث جابر وغيره، وما ثبت في رواية بلفظ:

" وتربتها طهورا "

كما أخرجه مسلم من حديث حذيفة - فهو غير مستلزم لاختصاص التراب بذلك عند عدم الماء، لأن غاية ذلك أن لفظ التراب دل بمفهومه على أن غيره من أجزاء الأرض لا يشاركه في الطهورية، وهذا مفهوم لقب لا ينتهض لتخصيص عموم الكتاب والسنة، ولهذا لم يعمل به من يعتد به من أئمة الأصول، فيكون ذكر التراب، في تلك الرواية من باب التنصيص على بعض أفراد العام، وهكذا يكون الجواب عن ذكر التراب في غير هذا الحديث، ووجه ذكره أنه الذي يغلب استعماله في هذه الطهارة، ويؤيد هذا ما ثبت من تيممه صلى الله عليه وسلم من جدار. وأما الاستدلال بوصف الصعيد بالطيب، ودعوى أن الطيب لا يكون إلا ترابا طاهرا منبتا لقوله تعالى:

والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا

[الأعراف: 58] - فغير مفيد للمطلوب إلا بعد بيان اختصاص الطيب بما ذكر، والضرورة تدفعه، فإن التراب المختلط بالأزبال أجود إخراجا للنبات، كذا في (الروضة الندية).

وأما الاستدلال بآية المائدة وظهور التبعيض في (من) فذاك إذا كان الضمير عائدا إلى الصعيد.

قال الناصر في (الانتصاف): وثمة وجه آخر وهو عود الضمير على الحدث المدلول عليه بقوله: ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ إلى آخرها فإن المفهوم منه: وإن كنتم على حدث في حال من هذه الأحوال: سفر أو مرض، أو مجيء من الغائط، أو ملامسة النساء فلم تجدوا ماء تتطهرون به من الحدث، فتيمموا منه، يقال: تيممت من الجنابة، قال: وموقع (من) على هذا مستعمل متداول، وهي على هذا الإعراب إما للتعليل أو لابتداء الغاية، وكلاهما فيها متمكن، والله أعلم.

السادسة: أفاد قوله تعالى: ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾ أن الواجب في التيمم عن وضوء أو غسل هو مسح الوجه واليدين فقط، وهذا إجماع، إلا أن في اليدين مذاهب للأئمة، فمن قائل بأنهما يمسحان إلى المرفقين؛ لأن لفظ اليدين يصدق في إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين وعلى ما يبلغ المرفقين، كما في آية الوضوء، وعلى ما يبلغ الكفين كما في آية السرقة:

فاقطعوا أيديهما

[المائدة: 38]، وقالوا: وحمل ما أطلق ههنا، على ما قيد في آية الوضوء، أولى لجامع الطهورية.

وروى الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن أبي الحويرث عن الأعرج عن ابن الصمة قال:

" مررت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد علي، حتى قام إلى الجدار فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يده على الجدار فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد علي ".

وهذا الحديث منقطع، لأن الأعرج، وهو عبد الرحمن بن هرمز، لم يسمع هذا من ابن الصمة، وإنما سمعه من عمير مولى ابن عباس عن ابن الصمة، وكذا هو مخرج في الصحيحين عن عمير مولى ابن عباس قال: دخلنا على أبي جهيم بن الحارث، فقال أبو جهيم:

" أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحو بئر جمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أقبل على الجدار، فوضع يده على الحائط، فمسح بوجهه ويديه، ثم رد عليه السلام ".

ولأبي داود عن نافع قال: انطلقت مع ابن عمر في حاجة إلى ابن عباس، فقضى ابن عمر حاجته، فكان من حديثه يومئذ أن قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول، فسلم عليه فلم يرد عليه، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة، ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رد على الرجل السلام، وقال: " إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام، إلا أني لم أكن على طهر ". وفي رواية: فمسح ذراعيه إلى المرفقين، فهذا أجود ما في الباب، فإن البيهقي أشار إلى صحته، كذا في (لباب التأويل). قال ابن كثير في حديث أبي داود ما نصه: ولكن في إسناده محمد بن ثابت العبدي وقد ضعفه بعض الحفاظ، ورواه غيره من الثقات فوقفوه على فعل ابن عمر، قال البخاري، وأبو زرعة وابن عدي: هو الصحيح. وقال البيهقي: رفع هذا الحديث منكر.

محاسن التأويل · الصفحة ٥٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٥٧٢