" سدوا كل خوخة في المسجد، إلا خوخة أبي بكر ".
وهذا قاله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته، علما منه أن أبا بكر رضي الله عنه سيلي الأمر بعده ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه رضي الله عنه، ومن روى: إلا باب علي، كما وقع في بعض السنن، فهو خطأ والصواب ما ثبت في الصحيح.
ومن هذا التأويل احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد، ويجوز له المرور. وثمة تأويل آخر في قوله تعالى: ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ وهو أن المراد منه المسافرون، أي: لا تقربوا الصلاة جنبا في حال من الأحوال إلا حال كونكم مسافرين، فيكون هذا الاستثناء دليلا على أنه يجوز للجنب الإقدام على الصلاة عند العجز عن الماء، وقد روى ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش عن علي في هذه الآية، قال: لا يقرب الصلاة إلا أن يكون مسافرا تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء، فيصلي حتى يجد الماء، ثم رواه من وجه آخر عن علي: ورواه عن جماعة من السلف أيضا: أنه في السفر.
قال ابن كثير: ويستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن ذلك خير لك "
، وفي هذا التأويل بقاء لفظ الصلاة على معناه الحقيقي في الجملتين المتعاطفتين، وفي التأويل السابق تكون الصلاة، في الجملة الثانية محمولة على مواضعها.
قال في (فتح البيان): وبالجملة، فالحال الأولى أعني قوله: ﴿ وأنتم سكرى ﴾ تقوي بقاء الصلاة على معناها الحقيقي، من دون تقدير مضاف، وسبب نزول الآية السابق يقوي ذلك، وقوله: ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ يقوي تقدير المضاف، أي: لا تقربوا مواضع الصلاة، ويمكن أن يقال: إن بعض قيود النهي (أعني لا تقربوا وهو قوله: ﴿ وأنتم سكرى ﴾ ) يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقي، وبعض قيود النهي (وهو قوله: ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ )، يدل على أن المراد مواضع الصلاة، ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه، ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيد كل واحد منهما بقيد، وهما: لا تقربوا الصلاة التي هي ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى، ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنبا إلا حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب، وغاية ما يقال في هذا: إنه من الجمع بين الحقيقة والمجاز، وهو جائز بتأويل مشهور.
وقال ابن جرير (بعد حكايته للتأويلين): وأولى القولين بالتأويل لذلك، تأويل من تأوله: ﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل ﴾ إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء، وهو جنب، في قوله: ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر ﴾ إلى آخره، فكان معلوما بذلك أن قوله: ﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ﴾ لو كان معنيا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله: ﴿ وإن كنتم مرضى أو على سفر ﴾ معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك.
وإن كان ذلك كذلك، فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة، مصلين فيها، وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا تقربوها أيضا جنبا حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل.
قال: و (العابر السبيل) المجتازه مرا وقطعا، يقال منه: عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبرا وعبورا، ومنه قيل: عبر فلان النهر إذا قطعه وجازه، ومنه قيل للناقة القوية على الأسفار: هي عبر أسفار، وعبر أسفار، لقوتها على الأسفار. ا.ه.
قال ابن كثير: وهذا الذي نصره (يعني ابن جرير) هو قول الجمهور وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها أيضا، والله أعلم.