تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها "

رواه الترمذي، عن أبي هريرة والإمام أحمد عن معاذ، والحاكم عن بريدة. وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح "

، ورواه مسلم، ولفظه:

" إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح ".

﴿ واهجروهن ﴾ بعد ذلك إن لم ينفع الوعظ والنصيحة. ﴿ في المضاجع ﴾ أي: المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف. ولا تباشروهن، فيكون كناية عن الجماع. قال حماد بن سلمة البصري: يعني النكاح، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الهجر: هو ألا يجامعها، ويضاجعها على فراشها، ويوليها ظهره، وكذا قال غير واحد.

وزاد آخرون منهم السدي والضحاك وعكرمة وابن عباس (في رواية): ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها، وقيل: المضاجع المبايت، أي: لا تبايتوهن. وفي السنن والمسند عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله:

" ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: " أن تطعمها إذا طمعت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت "

﴿ واضربوهن ﴾ إن لم ينجع ما فعلتم من العظمة والهجران، ضربا غير مبرح أي شديد ولا شاق، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع:

" واتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه. فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح ".

قال الفقهاء: هو ألا يجرحها، ولا يكسر لها عظما ولا يؤثر شينا ويجتنب الوجه لأنه مجمع المحاسن، ويكون مفرقا على بدنها، ولا يوالي به في موضع واحد لئلا يعظم ضرره، ومنهم من قال: ينبغي أن يكون الضرب بمنديل ملفوف، أو بيده! لا بسوط ولا عصا، قال عطاء: ضرب بالسواك.

قال الرازي: وبالجملة، فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه، والذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف، وجب الإكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق، وهذه طريقة من قال: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب، فإن ظاهر اللفظ، وإن دل على الجمع، إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب.

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربا غير مبرح، ولا تكسر لها عظما، فإن أقبلت وإلا فقد أحل الله لك منها الفدية. وقال آخرون: هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز، أما عند تحققه فلا بأس بالجمع بين الكل.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم:

" علقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فإنه أدب لهم "

رواه عبد بن حميد والطبراني عن ابن عباس، وأبو نعيم في الحلية عن ابن عمر. ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ﴾ أي: إذا رجعن عن النشوز عند هذا التأديب إلى الطاعة في جميع ما يراد منهن مما أباحه الله منهن، فلا سبيل للرجال عليهن بعد ذلك بالتوبيخ والأذية بالضرب والهجران ﴿ إن الله كان عليا كبيرا ﴾ فاحذروه، تهديد للأزواج على ظلم النسوان من غير سبب، فإنهن، وإن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي قاهر كبير قادر، ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فلا تغتروا بكونكم أعلى يدا منهن وأكبر درجة منهن، فإن الله أعلى منكم وأقدر منكم عليهن، فختم الآية بهذين الاسمين، فيه تمام المناسبة، ولما ذكر تعالى حكم النفور والنشوز من الزوجة، ذكر ما إذا كان النفور من الزوجين بقوله:

﴿ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ٥٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٥٥٤