تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها: ما روى ابن جرير عن الزهري عن ابن المسيب قال: نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم ويورثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيبا في الوصية، ورد الميراث إلى الموالي في ذوي الرحم والعصبة، وأبى الله أن يكون للمدعين ميراثا ممن ادعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيبا من الوصية.

واعلم أن هذه الوجوه السلفية المروية في نزول الآية، كلها مما تصدق عليها الآية وتشملها وينطبق حكمها عليها: ولا تنافي بينها، لما أسلفناه في مقدمة التفسير، فراجعها ولا تغفل عنها.

هذا ولأبي علي الجبائي تأويل آخر في الآية، قال: تقدير الآية: ولكن شيء مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم موالي، ورثة، ﴿ فآتوهم نصيبهم ﴾ أي: فآتوا الموالي والورثة نصيبهم، فقوله: ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ معطوف على قوله: ﴿ الولدان والأقربون ﴾ والمعنى: إن ما ترك الذين عاقدت أيمانكم فله وارث هو أولى به، وسمى الله تعالى الوارث مولى، والمعنى: لا تدفعوا المال إلى الحليف بل إلى المولى والوارث.

وقال أبو مسلم الأصفهاني: المراد ب ﴿ الذين عاقدت أيمانكم ﴾ الزوج والزوجة، والنكاح يسمى عقدا، قال تعالى:

ولا تعزموا عقدة النكاح

[البقرة: 235]، فذكر تعالى الوالدين والأقربين وذكر معهم الزوج والزوجة، ونظيره آية المواريث، في أنه لما بين ميراث الولد والوالدين، ذكر معهم ميراث الزوج والزوجة.

أقول: هذا التأويل المذكور وما قبله طريقة من لا يقف مع الآثار السلفية في التفسير، ويرى مزاحمتهم في الاجتهاد في ذلك، ذهابا إلى أن ما لم يتواتر في معنى الآية، من خبر أو إجماع، فلا حجة في المروي منه آحادا، مرفوعا أو موقوفا، وإن صح، وهذه الطريقة سبيل طائفة قصرت في علم السمع وأقلت البحث عنه، فنشأ من ذلك النقص من الدين والزيادة فيه بالرأي المحض.

ومذهبنا: أن لا غنى عن الرجوع إلى تفسير الصحابة رضي الله عنهم، لما ثبت من الثناء عليهم في الكتاب والسنة، ولأن القرآن أنزل على لغتهم، فالغلط أبعد عنهم من غيرهم، لا سيما تفسير حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فمتى صح الإسناد إليه كان تفسيره من أصح التفاسير، مقدما على كثير من الأئمة الجماهير، لوجوه متعددة: منها: أنه رضي الله عنه ثبت عنه أنه كان لا يستحل التأويل بالرأي، روي عنه أنه قال: من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار، وفي رواية (بغير علم) رواه أبو داود في العلم، والنسائي والترمذي.

فإذا جزم رضي الله عنه بأمر كان دليلا على رفعه، كما أسلفنا في المقدمة. ﴿ إن الله كان على كل شيء ﴾ من الأشياء التي من جملتها الإيتاء والمنع ﴿ شهيدا ﴾ أي: عالما، ففيه وعد ووعيد.

محاسن التأويل · الصفحة ٥٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٥٥٢