قال ابن الأثير: الأب والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ذهاب الطرفين كلالة.
وفي الأساس: ومن والمجاز كل فلان كلالة، إذا لم يكن ولدا ولا والدا، أي كل عن بلوغ القرابة المماسة.
وقال الأزهري: ذكر الله الكلالة في سورة النساء في موضعين: أحدهما: قوله: ﴿ وإن كان رجل يورث كللة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ﴾. والموضع الثاني: قوله تعالى:
يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك
[النساء: 176]. فجعل الكلالة هنا الأخت للأب والأم، والإخوة للأب والأم، فجعل للأخت الواحدة نصف ما ترك الميت وللأختين الثلثين، وللإخوة والأخوات جميع المال بينهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأخ والأخت من الأم وفي الآية الأولى، الثلث، لكل واحد منهما السدس، فبين بسياق الآيتين أن الكلالة تشتمل على الإخوة للأم مرة، ومرة على الإخوة والأخوات للأم والأب. ودل قول الشاعر أن الأب ليس بكلالة، وإن سائر الأولياء من العصبة بعد الولد كلالة، وهو قوله:
فإن أبا المرء أحمى له
ومولى الكلالة لا يغضب
أراد أن أبا المرء أغضب له إذا ظلم، وموالي الكلالة، وهم الإخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب. انتهى.
وروى ابن جرير وغيره عن الشعبي قال: قال أبو بكر رحمة الله عليه: إني قد رأيت في الكلالة رأيا، فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، والله بريء منه، أن الكلالة ما خلا الولد والوالد.
تنبيه
اتفق العلماء على المراد من قوله تعالى: ﴿ وله أخ أو أخت ﴾ - الأخ والأخت من الأم. وقرأ سعد بن أبي وقاص وغيره من السلف: " وله أخ أو أخت من أم " ، وكذا فسرها أبو بكر الصديق رضي الله عنه فيما رواه قتادة عنه. قال الكرخي: القراءة الشاذة كخبر الآحاد، لأنها ليست من قبل الرأي. وأطلق الشافعي الاحتجاج بها، فيما حكاه البويطي عنه، في باب (الرضاع) وباب (تحريم الجمع) وعليه جمهور أصحابه، لأنها منقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم من انتفاء خصوص قرآنيتها، انتفاء خصوص خبريتها. وقال القرطبي: أجمع العلماء على أن الإخوة ههنا هم الإخوة لأم. قال: ولا خلاف بين أهل العلم أن الإخوة للأب والأم، أو للأب، ليس ميراثهم هكذا، فدل إجماعهم على أن الإخوة المذكورين في قوله تعالى:
وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ الأنثيين
[النساء: 176] - هم الإخوة لأبوين، أو لأب.
لطيفة
إفراد الضمير في قوله تعالى: ﴿ وله أخ ﴾. إما لعوده على الميت المفهوم من المقام، أم على واحد منهما، والتذكير للتغليب، أو على الرجل، واكتفى بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه.
﴿ من بعد وصية يوصى بهآ أو دين غير مضآر ﴾ حال من ضمير: ﴿ يوصى ﴾ (على قراءته مبنيا للفاعل) أي: غير مدخل الضرر على الورثة، كأن يوصي بأكثر من الثلث، ومن فاعل فعل مضمر يدل عليه المذكور (على قراءته مبنيا للمجهول) وتخصيص هذا القيد بهذا المقام، لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم. وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس مرفوعا: " الضرار في الوصية من الكبائر ". ورواه النسائي في: (سننه) عن ابن عباس موقوفا، وهو الصحيح كما قال ابن جرير. ﴿ وصية من الله ﴾ مصدر مؤكد لفعل محذوف، وتنوينه للتفخيم، كقوله:
فريضة من الله
[النساء: 11] أو منصوب ب (غير مضار) على أنه مفعول به، فإنه اسم فاعل معتمد على ذي الحال، أو منفي معنى، فيعمل في المفعول الصريح، ويعضده القراءة بالإضافة، أي غير مضار لوصية الله وعهده في شأن الورثة. ﴿ والله عليم ﴾ بالمضار وغيره ﴿ حليم ﴾ لا يعاجل بالعقوبة، فلا يغتر بالإمهال.