تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي، عن ابن عمر

" أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " اختر منهن (وفي لفظ أمسك منهن) أربعا وفارق سائرهن " "

، وروي هذا الحديث بألفاظ من طرق. وعن نوفل بن معاوية الديلي قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" أمسك أربعا وفارق الأخرى "

، أخرجه الشافعي في مسنده.

وأخرج ابن ماجة والنحاس في (تاريخه) عن قيس بن الحارث الأسدي قال:

" أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: " اختر منهن أربعا وخل سائرهن "

، ففعلت، وهذه شواهد للحديث الأول كما قال البيهقي.

وقال قدس سره أيضا في كتابه (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار): أما الاستدلال على تحريم الخامسة وعدم جواز زيادة على الأربع بقوله عز وجل: ﴿ مثنى وثلث وربع ﴾ ، فغير صحيح، كما أوضحته في (شرحي للمنتقى) وقد قدمناه. ولكن الاستدلال على ذلك بحديث قيس بن الحارث وحديث غيلان الثقفي وحديث نوفل بن معاوية هو الذي ينبغي الاعتماد عليه، وإن كان في كل واحد منها مقال، لكن الإجماع على ما دلت عليه قد صارت به من المجمع على العمل عليه. وقد حكى الإجماع صاحب (فتح الباري) والمهدي في (البحر) والنقل عن الظاهرية لم يصح، فإنه قد أنكر ذلك منهم من هو أعرف بمذهبهم. انتهى.

تتمة

روى الدارقطني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ينكح البعد امرأتين ويطلق تطليقتين وتعتد الأمة حيضتين.

قال الشوكاني في: (نيل الأوطار): قد تمسك بهذا من قال: إنه لا يجوز للعبد أن يتزوج فوق اثنتين. وهو مروي عن علي وزيد بن علي والناصر والحنفية والشافعية، ولا يخفى أن قول الصحابي لا يكون حجة على من لم يقل بحجيته، نعم، لو صح إجماع الصحابة على ذلك لكان دليلا عند القائلين بحجية الإجماع، ولكنه قد روي عن أبي الدرداء ومجاهد وربيعة وأبي ثور والقاسم بن محمد وسالم: أنه يجوز له أن ينكح أربعا كالحر. حكى ذلك عنهم صاحب (البحر) فالأولى الجزم بدخوله تحت قوله تعالى: ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النسآء ﴾ والحكم له وعليه بما للأحرار وعليهم، إلا أن يقوم دليل يقتضي المخالفة، كما في المواضع المعروفة بالتخالف بين حكميهما انتهى.

﴿ فإن خفتم ألا تعدلوا ﴾ أي: بين هذه الأعداد. ﴿ فوحدة ﴾ أي: فاختاروها، وقرئ بالرفع أي: فحسبكم واحدة.

﴿ أو ما ملكت أيمنكم ﴾ أي: من الإماء، بالغة ما بلغت من مراتب العدد، لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق مثل ما يلزم في الحرائر، ولا قسم لهن. و (أو) للتسوية، أي التخيير، والعدد يؤخذ من السياق ومقابلة الواحدة، قال الزمخشري: سوى في السهولة واليسر بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير حصر ولا توقيت عدد، ولعمري إنهن أقل تبعة وأقصر شغبا وأخف مؤنة من المهائر، لا عليك، أكثرت منهن أم أقللت، عدلت بينهن في القسم أم لم تعدل، عزلت عنهن أم لم تعزل. انتهى.

﴿ ذلك ﴾ أي: الاقتصار على واحدة أو على التسري: ﴿ أدنى ﴾ أي أقرب ﴿ ألا تعولوا ﴾ أي: من أن لا تميلوا ولا تجوروا. لانتفائه رأسا بانتفاء محله في الأول، وانتفاء خطره في الثاني بخلاف اختيار العدد في المهائر، فإن الميل المحظور متوقع فيه لتحقق المحل والخطر، هذا إن قدر (تعولوا) مضارع عال، بمعنى جار ومال عن الحق، وهو اختيار أكثر المفسرين. ومن الوجوه المحتملة فيه كونه مضارع عال بمعنى كثر عياله، قال في: القاموس: وعال فلان عولا وعيالة: كثر عياله، كأعول وأعيل. انتهى. وعلى هذا الوجه اقتصر الإمام المهايمي، قدس سره، في تفسيره حيث قال: أي أقرب من أن لا تكثر عيالكم فيمكن معه القناعة بحيث لا يضطر إلى الجور في أموال اليتامى. انتهى. وروي هذا التأويل عن زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة والشافعي، وأما قول ابن كثير في هذا التفسير: ههنا نظر، فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر كذلك يخشى من تعداد السراري - فجوابه (كما قال الرازي) من وجهين: الأول: ما ذكره القفال رضي الله عنه، وهو أن الجواري إذا كثرن فله أن يكلفهن الكسب، وإذا اكتسبن أنفقن على أنفسهن وعلى مولاهن أيضا، وحينئذ تقل العيال، أما إذا كانت المرأة حرة، لم يكن الأمر كذلك، فظهر الفرق. الثاني: أن المرأة إذا كانت مملوكة، فإذا عجز المولى عن الإنفاق عليها باعها وتخلص منها، أما إذا كانت حرة فلا بد له من الإنفاق عليها، والعرف يدل على أن الزوج ما دام يمسك الزوجة فإنها لا تطالبه بالمهر، فإذا حاول طلاقها طالبته بالمهر فيقع الزوج في المحنة. انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٥٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٥٠٨