ومآ آتاكم الرسول فخذوه
[الحشر: 7].
لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة
[الأحزاب: 21].
قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله
[آل عمران: 31] ودعوى الخصوصية مفتقرة إلى دليل، والبراءة الأصلية مستصحبة لا ينقل عنها إلا ناقل صحيح تنقطع عنده المعاذير.
وأما حديث أمره صلى الله عليه وسلم لغيلان، لما أسلم وتحته عشر نسوة، بأن يختار منهن أربعا ويفارق سائرهن، كما أخرجه الترمذي وابن ماجة وابن حبان، فهو وإن كان له طرق، فقد قال ابن عبد البر: كلها معلولة، وأعله غيره من الحفاظ بعلل أخرى، ومثل هذا لا ينتهض للنقل عن الدليل القرآني والفعل المصطفوي الذي مات صلى الله عليه وسلم عليه والبراءة الأصلية.
ومن صحح لنا هذا الحديث على وجه تقوم به الحجة، أو جاءنا بدليل في معناه، فجزاه الله خيرا، فليس بين أحد وبين الحق عداوة. وعلى العالم أن يوفي الاجتهاد حقه لا سيما في مقامات التحرير والتقرير، كما نفعله في كثير من الأبحاث، وإذا حاك في صدره شيء فليكن تورعه في العمل لا في تقرير الصواب، فإياك أن تحامي التصريح بالحق الذي تبلغ إليه ملكتك، لقيل وقال. ولا سيما في مثل مواطن يجبن عنها كثير من الرجال، فإنك لا تسئل يوم القيامة عن الذي ترتضيه العباد بل عن الذي يرتضيه المعبود، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، ومن ورد البحر استقل السواقيا. انتهى.
وقال الشوكاني قدس سره أيضا في (نيل الأوطار): حديث قيس بن الحارث (وفي رواية الحرث بن قيس) في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة. قال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم للحارث بن قيس حديثا غير هذا. وقال أبو عمرو النمري: ليس له إلا حديث واحد ولم يأت به من وجه صحيح، وفي معنى هذا الحديث غيلان الثقفي وهو عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة، في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا، رواه أحمد وابن ماجة والترمذي، وحكم أبو حاتم أبو زرعة بأن المرسل أصح. وحكى الحاكم عن مسلم أن هذا الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة، قال: فإن رواه عنه ثقة خارج البصرة حكمنا له بالصحة، وقد أخذ ابن حبان والحاكم والبيهقي بظاهر الحكم، وأخرجوه من طرق عن معمر من حديث أهل الكوفة وأهل خراسان وأهل اليمامة عنه. قال الحافظ: ولا يفيد ذلك شيئا، فإن هؤلاء كلهم، إنما سمعوا منه بالبصرة، وعلى تقدير أنهم سمعوا منه بغيرها، فحديثه الذي حدث به في غير بلده مضطرب، لأنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة، وأما إذا رحل فحدث من حفظه بأشياء وهم فيها، اتفق على ذلك أهل العلم، كابن المديني والبخاري وابن أبي حاتم ويعقوب بن شيبة وغيرهم. وحكى الأثرم عن أحمد أن هذا الحديث ليس بصحيح، والعمل عليه، وأعله بتفرد معمر في وصله وتحديثه به في غير بلده. وقال ابن عبد البر: طرقه كلها معلولة.
وقد أطال الدارقطني في (العلل) تخريج طرقه. ورواه ابن عيينة ومالك عن الزهري مرسلا، ورواه عبد الرزاق عن معمر كذلك، وقد وافق معمرا على وصله بحر بن كنيز السقاء عن الزهري، ولكنه ضعيف، وكذا وصله يحيى بن سلام عن مالك، ويحيى ضعيف. وفي الباب عن نوفل بن معاوية، عند الشافعي، أنه أسلم وتحته خمسة نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أمسك أربعا وفارق الأخرى " ، وفي إسناده رجل مجهول، لأن الشافعي قال: حدثنا بعض أصحابنا عن أبي الزناد عن عبد المجيد بن سهل عن عوف بن الحرث عن نوفل بن معاوية قال: أسلمت، فذكره، وفي الباب أيضا عن عروة بن مسعود وصفوان بن أمية عند البيهقي. وقوله: " اختر منهن أربعا " ، استدل به الجمهور على تحريم الزيادة على أربع، وذهبت الظاهرية إلى أنه يحل للرجل أن يتزوج تسعا، ولعل وجهه قوله تعالى: ﴿ مثنى وثلث وربع ﴾ ومجموع ذلك لا باعتبار ما فيه من العدل، تسع. وحكي ذلك عن ابن الصباغ والعمراني وبعض الشيعة. وحكى أيضا عن القاسم بن إبراهيم، وأنكر الإمام يحيى الحكاية عنه، وحكاه صاحب البحر عن الظاهرية، وقوم مجاهيل. وأجابوا عن حديث قيس بن الحارث المذكور بما فيه من المقال المتقدم، وأجابوا عن حديث غيلان الثقفي بما تقدم فيه من المقال، وكذلك أجابوا عن حديث نوفل بن معاوية بما قدمنا من كونه في إسناده مجهول، قالوا: ومثل هذا الأصل العظيم لا يكتفي فيه بمثل ذلك، ولا سيما وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جمع بين تسع أو إحدى عشرة، وقد قال تعالى: