أحول. فقال له الوالي: ما ترى فيه؟ فقال: اضربه خمسة عشر - يعني سوطا - فقال له بعض الحاضرين - ممن ينفي الجبر - بل ينبغي أن يضرب ثلاثين سوطا: خمسة عشر لطره ومثلها لحوله. فقال الجبري: كيف يضرب على الحول ولا صنع له فيه؟ فقال كما يضرب على الطر ولا صنع له فيه، عندك... فبهت الجبري.
وأما (القدرية الإبليسية والمشركية) فكثير منهم منسلخ عن الشرع، عدو لله ورسله، لا يقر بأمر ولا نهي، وتلك وراثة عن شيوخه الذين قال الله فيهم:
سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء...
[الأنعام: 148] الآية، وقال تعالى:
وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين
[النحل: 35] وقال تعالى:
وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون
[الزخرف: 20]، وقال:
وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشآء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين
[يس: 47]، فهذه أربعة مواضع في القرآن، بين سبحانه فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين للرسل.
وقد افترق الناس في الكلام على هذه الآيات أربع فرق:
الفرقة الأولى: جعلت هذه الحجة حجة صحيحة، وأن للمحتج بها الحجة على الله. ثم افترق هؤلاء فرقتين: (فرقة) كذبت بالأمر والوعد والوعيد، وزعمت أن الأمر والنهي والوعد والوعيد، بعد هذا، يكون ظلما، والله لا يظلم من خلقه أحدا! و (فرقة) صدقت بالأمر والنهي والوعد والوعيد وقالت: ليس ذلك بظلم، والله يتصرف في ملكه كيف يشاء ويعذب العبد على ما لا صنع له فيه، بل يعذبه على فعله هو سبحانه لا على فعل عبده. إذ العبد لا فعل له، والملك ملكه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. فإن هؤلاء الكفار إنما قالوا هذه المقالة - التي حكاها الله عنهم - استهزاء منهم، ولو قالوا - اعتقادا للقضاء والقدر، وإسنادا لجميع الكائنات إلى مشيئته وقدرته - لم ينكر عليهم. ومضمون قول هذه الفرقة إن هذه حجة صحيحة إذا قالوها على وجه الاعتقاد - لا على جهة الاستهزاء - فيكون للمشركين على الله الحجة؛ وكفى بهذا القول فسادا وبطلانا.
الفرقة الثانية: جعلت هذه الآيات حجة لها في إبطال القضاء والقدر والمشيئة العامة. إذ لو صحت المشيئة العامة - وكان الله قد شاء منهم الشرك والكفر وعبادة الأوثان - لكانوا قد قالوا الحق، وكان الله يصدقهم عليه ولم ينكر عليهم. فحيث وصفهم بالخرص - الذي هو الكذب - ونفى عنهم العلم, دل على أن هذا الذي قالوه ليس بصحيح, وأنهم كاذبون فيه؛ إذ لو كان علما لكانوا صادقين في الإخبار به, ولم يقل لهم: هل عندكم من علم.
وجعلت هذه الفرقة هذه الآيات حجة لها على التكذيب بالقضاء والقدر, وزعمت بها أن يكون في ملكه ما لا يشاء, ويشاء ما لا يكون, وإنه لا قدرة له على أفعال عباده من الإنس والجن والملائكة, ولا على أفعال الحيوانات. وإنه لا يقدر أن يضل أحدا, ولا يهديه, ولا يوفقه أكثر مما فعل به, ولا يعصمه من الذنوب والكفر, ولا يلهمه رشده, ولا يجعل في قلبه الإيمان, ولا هو الذي جعل المصلي مصليا والبر برا والفاجر فاجرا والمؤمن مؤمنا والكافر كافرا. بل هم جعلوا أنفسهم كذلك.
فهذه الفرقة شاركت الفرقة التي قبلها في إلقاء الحرب والعداوة بين الشرع والقدر. فالأولى تحيزت إلى القدر وحاربت الشرع. والثانية تحيزت إلى الشرع, وكذبت القدر. والطائفتان ضالتان, وإحداهما أضل من الأخرى.
والفرقة الثالثة: آمنت بالقضاء والقدر وأقرت بالأمر والنهي. ونزلوا كل واحد منزلته: فالقضاء والقدر يؤمن به ولا يحتج به, والأمر والنهي يمتثل ويطاع. فالإيمان بالقضاء والقدر - عندهم - من تمام التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. والقيام بالأمر والنهي موجب شهادة أن محمدا رسول الله. وقالوا: من لم يقر بالقضاء والقدر, ويقم بالأمر والنهي فقد كذب بالشهادتين وإن نطق بهما بلسانه.