تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم افترقوا في وجه هذه الآيات فرقتين: فرقة قالت: إنما أنكر عليهم استدلالهم بالمشيئة العامة والقضاء والقدر على رضاه ومحبته لذلك. فجعلوا مشيئته له وتقديره له, دليلا على رضاه به ومحبته له. إذ لو كرهه وأبغضه لحال بينه وبينهم. فإن الحكيم إذا كان قادرا على دفع ما يكرهه ويبغضه. دفعه ومنع من وقوعه. وإذا لم يمنع من وقوعه, لزم إما عدم قدرته وإما عدم حكمته. وكلاهما ممتنع في حق الله. فعلم محبته لما نحن عليه من عبادة غيره ومن الشرك به.

وقد وافق هؤلاء من قال: إن الله يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها. ولكن خالفهم في أنه نهى عنها وأمر بأضدادها ويعاقب عليها, فوافقهم في نصف قولهم وخالفهم في الشطر الآخر.

وهذه الآيات من أكبر الحجج على بطلان قول الطائفتين, وأن مشيئة الله تعالى وقضاءه وقدره لا تستلزم محبته ورضاه لكل ما شاءه وقدره.

وهؤلاء المشركون - لما استدلوا بمشيئته على محبته ورضاه - كذبهم وأنكر عليهم, وأخبر أنه لا علم لهم بذلك, وأنهم خارصون مفترون. فإن محبة الله للشيء ورضاه به, إنما يعلم بأمره به على لسان رسوله, لا بمجرد خلقه. فإنه خلق إبليس وجنوده - وهم أعداؤه - وهو سبحانه يبغضهم ويلعنهم وهم خلقه... فهكذا في الأفعال.

خلق خيرها وشرها وهو يحب خيرها ويأمر به ويثيب عليه. ويبغض شرها وينهي عنه ويعاقب عليه. وكلاهما خلقه. ولله الحكمة البالغة التامة في خلقه ما يبغضه ويكرهه, من الذوات والصفات والأفعال, كل صادر عن حكمته وعلمه, كما هو صادر عن قدرته ومشيئته..

وقالت الفرقة الثانية: إنما أنكر عليهم معارضة الشرع بالقدر, ودفع الأمر بالمشيئة. فلما قامت عليهم حجة الله ولزمهم أمره ونهيه دفعوه بقضائه وقدره. فجعلوا القضاء والقدر إبطالا لدعوة الرسل, ودفعا لما جاؤوا به. وشاركهم في ذلك إخوانهم وذريتهم الذين يحتجون بالقضاء والقدر على المعاصي والذنوب في نصف أقوالهم, وخالفوهم في النصف الآخر وهو إقرارهم بالأمر والنهي.

فانظر كيف انقسمت هذه المواريث على هذه السهام, وورث كل قوم أئمتهم وأسلافهم, إما في جميع تركتهم, وإما في كثير منها, وإما في جزء منها. وهدى الله بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم وأصحابه, فلم يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض, بل آمنوا بقضاء الله وقدره ومشيئته العامة النافذة, وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن, وأنه مقلب القلوب ومصرفها كيف أراد, وأنه هو الذي جعل المؤمن مؤمنا والمصلي مصليا والمتقي متقيا, وجعل أئمة الهدى يهدون بأمره, وأئمة الضلالة يدعون إلى النار، وأنه ألهم كل نفس فجورها وتقواها وأنه يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته، وأنه هو الذي وفق أهل الطاعة لطاعته فأطاعوه ولو شاء لخذلهم فعصوه، وأنه حال بين الكفار وقلوبهم - فإنه يحول بين المرء وقلبه - فكفروا به، ولو شاء لوفقهم فآمنوا به وأطاعوه، وأنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأنه لو شاء لآمن من في الأرض كلهم جميعا. إيمانا يثابون عليه ويقبل منهم ويرضى به عنهم، وأنه لو شاء ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد. ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون.

و (القضاء والقدر) عندهم أربع مراتب جاء بها نبيهم وأخبر بها عن ربه تعالى:

الأولى: علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم.

الثانية: كتابة ذلك في الذكر عنده قبل خلق السماوات والأرض.

الثالثة: مشيئته المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن عن مشيئته، كما لا خروج له عن علمه.

الرابعة: خلقه له وإيجاده وتكوينه. فإنه لا خالق إلا الله، والله خالق كل شيء. فالخالق - عندهم - واحد وما سواه فمخلوق. ولا واسطة - عندهم - بين الخالق والمخلوق. ويؤمنون - مع ذلك - بحكمته، وأنه حكيم في كل ما فعله وخلقه. وأن مصدر ذلك جميعه عن حكمة تامة هي التي اقتضت صدور ذلك وخلقه. وأن حكمته حكمة حق عائدة إليه قائمة به كسائر صفاته، وليست عبارة عن مطابقة علمه لمعلومه وقدرته لمقدوره - كما تقوله نفاة الحكمة الذين يقرون بلفظها دون حقيقتها - بل هي أمر وراء ذلك، هي الغاية المحبوبة له المطلوبة التي هي متعلق محبته وحمده، ولأجلها خلق فسوى وقدر فهدى، وأمات وأحيى، وأشقى وأضل وهدى، ومنع وأعطى.

محاسن التأويل · الصفحة ١١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١١١٠