وقد أخرج الحاكم عن ابن عباس أنه قيل له: إن ناسا يقولون: ليس الشر بقدر. فقال ابن عباس: بيننا وبين أهل القدر هذه الآية:
سيقول الذين أشركوا...
[الأنعام: 148] إلى قوله: ﴿ فلو شآء لهداكم أجمعين ﴾ [الأنعام: 149].
وبتحقيق هذه الوجوه يسقط قول الطبرسي المعتزلي: لو كان الأمر على ما قاله أهل الجبر - من أن الله تعالى شاء منهم الكفر - لكانت الحجة للكفار على الله، من حيث فعلوا ما شاء الله، ولكانوا بذلك مطيعين له. لأن الطاعة هي امتثال الأمر المراد، ولا تكون الحجة لله عليهم على قولهم، من حيث إنه خلق فيهم الكفر وأراد منهم الكفر. فأي حجة له عليهم مع ذلك؟ انتهى.
وكذا قول الزمخشري: ما حكي عن المشركين كمذهب المجبرة بعينه. ولذا قال النحرير: نعم! هو كمذهبهم في كون كل كائن بمشيئة الله. لكن الكفرة يحتجون بذلك على حقية الإشراك وتحريم الحلال وسائر ما يرتكبون من القبائح. وكونها ليس بمعصية لكونها موافقة للمشيئة التي تساوي معنى الأمر، على ما هو مذهب القدرية: من عدم التفرقة بين المأمور والمراد، وأن كل ما هو مراد لله فهو ليس بمعصية منهي عنها.
والمجبرة - وإن اعتقدوا أن الكل بمشيئة الله - لكنهم يعتقدون أن الشرك وجميع القبائح معصية ومخالفة للأمر يلحقها العذاب بحكم الوعيد، ويعفو عن بعضها بحكم الوعد. فهم - في ذلك - يصدقون الله فيما دل عليه العقل والشرع من امتناع أن يكون أكثر ما يجري في ملكه على خلاف ما يشاء. والكفرة يكذبونه في لحوق الوعيد على ما هو بمشيئته تعالى. انتهى.
فصل
قال الإمام شمس الدين ابن القيم الدمشقي رحمه الله في كتابه (طريق الهجرتين) بعد أن أطال في سرد أحاديث القدر وآثاره، ما نصه:
فالجواب أن ههنا مقامين: مقام إيمان وهدى ونجاة، ومقام ضلال وردى وهلاك، زلت فيه أقدام فهوت بأصحابها إلى دار الشقاء.
فأما مقام الإيمان والهدى والنجاة، فمقام إثبات القدر والإيمان به، وإسناد جميع الكائنات إلى مشيئة ربها وبارئها وفاطرها، وأن ما شاء كان وإن لم يشأ الناس. وما لم يشأ لم يكن، وإن شاء الناس. وهذه الآثار - التي كلها تحقق هذا المقام - تبين أن من لم يؤمن بالقدر فقد انسلخ من التوحيد، ولبس جلباب الشرك، بل لم يؤمن بالله ولم يعرفه. وهذا في كل كتاب أنزله الله على رسله.
وأما المقام الثاني وهو مقام الضلال والردى والهلاك فهو الاحتجاج به على الله، وحمل العبد ذنبه على ربه، وتنزيه نفسه الجاهلة الظالمة الأمارة بالسوء، حتى يقول قائل هؤلاء:
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له:
إياك! إياك! أن تبتل بالماء
ويقول قائلهم:
دعاني وسد الباب دوني. فهل إلى
دخولي سبيل؟ بينوا لي قصتي
ثم ساق - رحمه الله - قصصا غريبة في ذلك، ثم قال:
وسمعته - يعني شيخ الإسلام ابن تيمية - يقول:
القدرية المذمومون في السنة وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاثة: نفاة القدر وهم (القدرية المجوسية). والمعارضون به للشريعة الذين قالوا:
لو شآء الله مآ أشركنا
[الأنعام: 148] وهم (القدرية المشركية). والمخاصمون به للرب سبحانه وتعالى وهم أعداء الله وخصومه وهم (القدرية الإبليسية) وشيخهم إبليس، وهو أول من احتج على الله بالقدر فقال:
فبمآ أغويتني
[الأعراف: 16]. ولم يعترف بالذنب ويبوء به كما اعترف به آدم. فمن أقر بالذنب وباء به ونزه ربه فقد أشبه أباه آدم، ومن أشبه أباه فما ظلم. ومن برأ نفسه واحتج على ربه بالقدر فقد أشبه إبليس. ولا ريب أن هؤلاء القدرية الإبليسية والمشركية شر من القدرية النفاة. لأن النفاة إنما نفوه تنزيها للرب وتعظيما له أن يقدر الذنب ثم يلوم عليه ويعاقب. ونزهوه أن يعاقب العبد على ما لا صنع للعبد فيه ألبتة. بل هو بمنزلة طوله وقصره وسواده وبياضه. ونحو ذلك. كما يحكى عن بعض الجبرية إنه حضر مجلس بعض الولاة. فأتى بطرار (هو الذي يقطع الهمايين أو الأكمام ويستل ما فيها).