فأنتم أشقياء في الأزل مستحقون للبعد والعقاب، وقوله تعالى: ﴿ فلو شآء لهداكم أجمعين ﴾ أي: بلى، صدقتم. ولكن كما شاء كفركم لو شاء لهداكم كلكم، فبأي شيء علمتم أنه لم يشأ هدايتكم حتى أصررتم؟ وهذا تهييج لمن عسى أن يكون له استعداد منهم فيقمع ويهتدي فيرجع عن الشرك ويؤمن. انتهى.
الوجه السادس: ما في (لباب التأويل): من أنه قيل في معنى الآية: أنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة - وهو قولهم:
لو شآء الله مآ أشركنا
[الأنعام: 148] - إلا أنهم كانوا يعدونه عذرا لأنفسهم، ويجعلونه حجة لهم في ترك الإيمان. والرد عليهم في ذلك: أن أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته؛ فإن الله تعالى مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد، فعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق بمشيئته، فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد عليه في فعله، فهو تعالى يشاء الكفر من الكافر ولا يرضى به ولا يأمر به، ومع هذا فيبعث الرسل إلى العبد ويأمره بالإيمان. وورود الأمر على خلاف الإرادة غير ممتنع. فالحاصل: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم يتمسكون بمشيئة الله تعالى في شركهم وكفرهم، فأخبر الله تعالى أن هذا التمسك فاسد باطل، فإنه لا يلزم من ثبوت المشيئة لله تعالى في كل الأمور دفع دعوة الأنبياء عليهم السلام. انتهى.
الوجه السابع: ما قرره الناصر في (الانتصاف): إن الرد عليهم إنما كان لاعتقادهم أنهم مسلوبون اختيارهم وقدرتهم، وإن إشراكهم إنما صدر منهم على وجه الاضطرار، وزعموا أنهم يقيمون الحجة على الله ورسله بذلك. فرد الله قولهم وكذبهم في دعواهم - عدم الاختيار لأنفسهم -وشبههم بمن اغتر قبلهم بهذا الخيال. فكذب الرسل، وأشرك بالله، واعتمد على أنه إنما يفعل ذلك كله بمشيئة الله، ورام إفحام الرسل بهذه الشبهة. ثم بين الله تعالى أنهم لا حجة لهم في ذلك، وأن الحجة البالغة له لا لهم، بقوله: ﴿ فلله الحجة البالغة ﴾. ثم أوضح تعالى أن كل واقع بمشيئته، وإنه لم يشأ منهم إلا ما صدر عنهم، وأنه لو شاء منهم الهداية لاهتدوا أجمعون بقوله: ﴿ فلو شآء لهداكم أجمعين ﴾. والمقصود من ذلك: أن يتمحض وجه الرد عليهم، ويتخلص عقيدة نفوذ المشيئة، وعموم تعلقها بكل كائن عن الرد؛ وينصرف الرد إلى دعواهم بسلب الاختيار لأنفسهم، وإلى إقامتهم الحجة بذلك خاصة. وإذا تدبرت هذه وجدتها كافية في الرد على من زعم من أهل القبلة أن العبد لا اختيار له ولا قدرة ألبتة. بل هو مجبور على أفعاله مقهور عليها.
وهم الفرقة المعروفون ب (المجبرة). والزمخشري يغالط في الحقائق فيسمى أهل السنة مجبرة وإن أثبتوا للعبد اختيارا وقدرة، لأنهم يسلبون تأثير قدرة العبد ويجعلونها مقارنة لأفعاله الاختيارية مميزة بينها وبين أفعاله القسرية. فمن هذه الجهة سوى بينهم وبين المجبرة، ويجعله لقبا عاما لأهل السنة. وبإجماع الرد على المجبرة - الذين ميزناهم عن أهل السنة - في قوله تعالى:
سيقول الذين أشركوا...
[الأنعام: 148] إلى قوله تعالى: ﴿ قل فلله الحجة البالغة ﴾. وتتمة الآية رد صريح على (طائفة الاعتزال) القائلين بأن الله تعالى شاء الهداية منهم أجمعين. فلم تقع من أكثرهم! ووجه الرد: أن (لو) إذا دخلت على فعل مثبت نفته؛ فيقتضي ذلك أن الله تعالى لما قال: ﴿ فلو شآء ﴾ لم يكن الواقع أنه شاء هدايتهم. ولو شاءها لوقعت. فهذا تصريح ببطلان زعمهم ومحل عقدهم. فإذا ثبت اشتمال الآية على رد عقيدة الطائفتين المذكورتين - المجبرة في أولها والمعتزلة في آخرها - فاعلم أنها جامعة لعقيدة السنة منطبقة عليها. فإن أولها - كما بينا - يثبت للعبد اختيارا وقدرة على وجه يقطع حجته وعذره في المخالفة والعصيان، وآخرها نثبت نفوذ مشيئة الله في العبد، وأن جميع أفعاله على وفق المشيئة الإلهية، خيرا أو غيره. وذلك عين عقيدتهم. فإنهم - كما يثبتون للعبد مشيئة وقدرة - ويسلبون تأثيرها، ويعتقدون أن ثبوتهما قاطع لحجته، ملزم له بالطاعة على وفق اختياره. ويثبتون نفوذ مشيئة الله أيضا وقدرته في أفعال عباده. فهم - كما رأيت - تبع للكتاب العزيز: يثبتون ما أثبت، وينفون ما نفى، مؤيدون بالعقل والنقل، والله الموفق. انتهى.