تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ

[الأنعام: 148] أي: بأن الله راض عليكم فيما أنتم فيه! وهذا من التهكم والشهادة بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة.

وفي (الوجيز): الحاصل أن المشركين اعتقدوا عدم التفرقة بين المأمور المرضي والمشيئة، كما اعتقدت المعتزلة، فاحتجوا على حقية الإشراك. وينادي على ذلك قوله:

كذلك كذب...

[الأنعام: 148] فإن لو كان المراد أن ذلك ليس بمشيئة الله تعالى لقال: (كذلك كذب) بالتخفيف لا التشديد. وهذه الآية - عند من له أذن واعية - تصيح على المعتزلة بالويل والثبور، لكن في آذانهم وقر، ومن لم يهده الله فلا هادي له. انتهى.

الوجه الثاني: إن المشيئة في الآية بمعنى الأمر والدعاء إلى ذلك. أي: يقولون: إن الله أمرهم بذلك ودعاهم إليه، كما أخبر عنهم في سورة الأعراف بقوله:

وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ آباءنا والله أمرنا بها

[الأعراف: 28] فرد تعالى عليهم بقوله:

قل إن الله لا يأمر بالفحشآء

[الأعراف: 28].

والوجه الثالث: إن قولهم ذلك كان على سبيل الاستهزاء والسخرية دفعا لدعوته صلى الله عليه وسلم، وتعللا لعدم إجابته وانقياده، لا تفويضا للكائنات إلى مشيئة الله تعالى. فما صدر عنهم، كلمة حق أريد بها باطل. ولذلك ذمهم الله بالتكذيب لأنهم قصدوا به تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم في وجوب اتباعه والمتابعة، فقال:

كذلك كذب

[الأنعام: 148] بالتشديد، ولم يذمهم بالكذب في قولهم ذلك، وإلا لقال (كذلك كذب) بالتخفيف، إشارة إلى أن ذلك الكلام في نفسه حق وصدق.

وقال آخرا: ﴿ قل فلله الحجة البالغة فلو شآء لهداكم أجمعين ﴾ فأشار إلى صدق مقالتهم وفساد غرضهم. فالعتاب الذي لحقهم والوعيد الذي أوعدهم، إنما كان لاستهزائهم، كما ذكر في قوله تعالى:

ويقول الإنسان أءذا ما مت لسوف أخرج حيا

[مريم: 66]. وهي كلمة حق. لكن قالها استهزاء فلحقه الذم.

وهذا الوجه اقتصر عليه العضد في (المواقف) وقرره أيضا أبو منصور في (تأويلاته).

قال الحسن بن الفضل: لو قالوا هذه المقالة تعظيما لله وإجلالا له ومعرفة بحقه وبما يقولون، لما عابهم بذلك. ولكنهم قالوا هذه المقالة تكذيبا وجدلا من غير معرفة بالله وبما يقولون.

الوجه الرابع: ما يستفاد من قول الإمام: إن في كلام المشركين مقدمتين:

إحداهما: أن الكفر بمشيئة الله تعالى. والثانية: أنه يلزم منه اندفاع دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. وما ورد من الذم والتوبيخ إنما هو على الثانية، إذ الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يشاء من الكافر الكفر ويأمره بالإيمان ويعذبه على خلافه ويبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دعاة إلى دار السلام، وإن كان لا يهدي إلا من يشاء.

الوجه الخامس: إن قولهم ذلك كان على سبيل العناد والعتو.

قال البقاعي في قوله تعالى:

كذلك كذب الذين من قبلهم

[الأنعام: 148] أي: بما أوقعوا من نحو هذه المجادلة في قولهم: إذا كان الكل بمشيئة الله كان التكليف عبثا، فكانت دعوى الأنبياء باطلة. وهذا القول من المشركين عناد بعد ثبوت الرسالات بالمعجزات وإخبار الرسل بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ملكه تام، لا يسأل عما يفعل.

وقال الإمام القاشاني قدس الله سره، في قوله تعالى: ﴿ كذلك كذب الذين من قبلهم ﴾ أي: كذب المنكرون الرسل من قبلهم بتعليق كفرهم بمشيئة الله، عنادا وعتوا، فعذبوا بكفرهم.

ثم قال في قوله تعالى:

قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ

[الأنعام: 148] أي: إن كان لكم علم بذلك وحجة، فبينوا. وإنما قال ذلك، إشارة إلى قولهم:

لو شآء الله مآ أشركنا

[الأنعام: 148] لأنهم لو قالوا ذلك عن علم، لعلموا أن إيمان الموحدين وكل شيء، لا يقع إلا بإرادة الله. فلم يعادوهم ولم ينكروهم بل والوهم، ولم يبق بينهم وبين المؤمنين خلاف. ولعمري إنهم لو قالوا ذلك عن علم، لما كانوا مشركين بل كانوا موحدين. ولكنهم اتبعوا الظن في ذلك، وبنوا على التقدير والتخمين لغرض التكذيب والعناد، وعلى ما سمعوا من الرسل إلزاما لهم وإثباتا لعدم امتناعهم عن الرسل. لأنهم محجوبون في مقام النفس. وأنى لهم اليقين؟ ومن أين لهم الاطلاع على مشيئة الله؟ وقوله تعالى: ﴿ قل فلله الحجة البالغة ﴾ أي: إن كان ظنكم صدقا في تعليق شرككم بمشيئة الله، فليس لكم حجة على المؤمنين وعلى غيركم من أهل دين، لكون كل دين حينئذ بمشيئة الله، فيجب أن توافقوهم وتصدقوهم، بل لله الحجة عليكم في وجوب تصديقهم وإقراركم بأنكم أشركتم، بمن لا يقع أمر إلا بإرادته، ما لا أثر لإرادته أصلا.

محاسن التأويل · الصفحة ١١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١١٠٦