تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال العلامة أبو السعود: الجملة اعتراض وسط بين النهي وجوابه، تقريرا له ودفعا لما عسى يتوهم كونه مسوغا لطردهم من أقاويل الطاعنين في دينهم، كدأب قوم نوح حيث قالوا:

وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي

[هود: 27] أي: ما عليك شيء من حساب إيمانهم وأعمالهم الباطنة، حتى تتصدى له، وتبني على ذلك ما تراه من الأحكام، وإنما وظيفتك، حسبما هو شأن منصب النبوة، اعتبار ظواهر الأعمال، وإجراء الأحكام على موجبها. وأما بواطن الأمر فحسابها على العليم بذات الصدور، كقوله تعالى:

إن حسابهم إلا على ربي

[الشعراء: 113] وذكر قوله تعالى: ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ مع أن الجواب قد تم بما قبله، للمبالغة في بيان انتفاء كون حسابهم عليه صلى الله عليه وسلم، بنظمه في سلك ما لا شبهة فيه أصلا، وهو انتفاء كون حسابه عليه السلام، عليهم، على طريقة قوله تعالى:

لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون

[الأعراف: 34، ويونس: 49، والنحل: 61] وأما ما قيل من أن ذلك لتنزيل الجملتين منزلة جملة واحدة، لتأدية معنى واحد، على نهج قوله تعالى:

ولا تزر وازرة وزر أخرى

[الأنعام: 164] فغير حقيق بجلالة شأن التنزيل. انتهى.

والقول المذكور للزمخشري، حيث ذهب إلى أن الجملتين في معنى جملة واحدة، تؤدي مؤدى

ولا تزر

[الأنعام: 164] الآية، وأنه لا بد منهما.

هذا، وقيل: الضمير للمشركين، والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك، ولا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم، ويجرك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين.

وأغرب المهايمي حيث قال: والعماة؛ لكونهم أرباب شرف ومال، يكرهون مجالستهم، لقلة شرفهم ومالهم، فقال عز وجل لأشرف الناس: ﴿ ما عليك من حسابهم من شيء ﴾ أي: ما يعود عليك من نقصهم في الشرف والمال من شيء ﴿ وما من حسابك عليهم من شيء ﴾ أي: وما يعود عليهم من كمالك في الشرف والمال عليهم من شيء، فإذا لم يلحقك نقصهم، ولم يأخذوا كمالك بسلبه عنك، فلا وجه لطردهم. انتهى.

وفيه بعد، لعدم ملاقاته لآية نوح السالفة. ولا يخفى مراعاة النظائر.

وفي (العناية): قدم خطابه صلى الله عليه وسلم في الموضعين، تشريفا له. وإلا كان الظاهر " وما عليهم من حسابك من شيء " بتقديم (على) ومجرورها، كما في الأول، وفي النظم رد العجز على الصدر، كما في قوله: عادات السادات، سادات العادات.

وقوله تعالى: ﴿ فتطردهم فتكون من الظالمين ﴾ الظلم: وضع الشيء في غير محله، أي: فلا تهم بطردهم عنك، فتضع الشيء في غير موضعه.

محاسن التأويل · الصفحة ١٠٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٠٠٤