وتعقبه الناصر في (الانتصاف) بقوله: هو يبنى على القاعدة المتقدمة له، في تفضيل الملائكة على الأنبياء. ولعمري إن ظاهر هذه الآية يؤيده، فلذلك انتهز الفرصة في الاستدلال بها. ولمخالفه أن يقول: إنما أوردت الآية ردا على الكفار في قولهم:
مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا * أو يلقى إليه كنز
[الفرقان: 7-8] الآية - فرد قولهم:
مال هذا الرسول يأكل الطعام
[الفرقان: 7] بأنه بشر، وذلك شأن البشر، ولم يدع أنه ملك حتى يتعجب من أكله للطعام، وحينئذ لا يلزم منها تفضيل الملائكة على الأنبياء، لأنه لا خلاف أن الأنبياء، يأكلون الطعام، وأن الملائكة ليسوا كذلك، فالتفرقة بهذا الوجه متفق عليها، ولا يوجب ذلك اتفاقا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء.
وكذلك رد قولهم:
أو يلقى إليه كنز
[الفرقان: 8] بأنه لا يملك خزائن الله تعالى حتى يأتيهم بكنز منها على وفق مقترحهم، ولا قال لهم ذلك حتى يقام عليه الحجة به.
ثم قال الناصر رحمه الله: ولم يحسن الزمخشري في قوله: (ليس بعد الإلهية منزلة أرفع من منزلة الملائكة) فإنه جعل الإلهية من جملة المنازل كالملكية، ومثل هذا الإطلاق لا يسوغ. والمنزلة عبارة عن المحل الذي ينزل الله فيه العبد من علو وغيره، فإطلاقها على الإلهية تحريف. والله الموفق للصواب.
الثالث: قال الرازي: ظاهر قوله تعالى: ﴿ إن أتبع إلا ما يوحى إلي ﴾ يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لا يعمل إلا بالوحي، وهو يدل على حكمين:
الأول: أن هذا النص يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحكم من تلقاء نفسه في شيء من الأحكام، وأنه ما كان يجتهد، بل جميع أحكامه صادرة عن الوحي، ويتأكد هذا بقوله تعالى:
وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى
[النجم: 3-4].
الثاني: أن نفاة القياس قالوا: ثبت بهذا النص أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يعمل إلا بالوحي النازل عليه، فوجب ألا يجوز لأحد من أمته أن يعملوا إلا بالوحي النازل عليه، بقوله تعالى:
فاتبعوه
[الأنعام: 153]، وذلك ينفي جواز العمل بالقياس. ثم أكد هذا الكلام بقوله: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير ﴾ وذلك لأن العمل بغير الوحي يجري مجرى عمل الأعمى. والعمل بمقتضى نزول الوحي يجري مجرى عمل البصير. ثم قال: ﴿ أفلا تتفكرون ﴾ والمراد منه التنبيه على أنه يجب على العاقل أن يعرف الفرق بين هذين البابين، وألا يكون غافلا عن معرفته. انتهى.
وفي (فتح الرحمن): تمسك بذلك من لم يثبت اجتهاد الأنبياء، عملا بما يفيده القصر في هذه الآية.
والمسألة مدونة في الأصول. وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" أوتيت القرآن ومثله معه ".
ثم لما أخبر تعالى: أن أولئك المشركين كالصم البكم العمي، بل الموتى، إذ لم يتعظوا بتصريف الآيات الباهرة، أمر بتوجيه الإنذار إلى أن من يتأثر بما يوحى إليه، اطراحا لأولئك الفجار، فقال تعالى:
﴿ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم... ﴾.