تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الآثار الجليلة التي يتركانها في صحة الأهالي وأخلاقهم وعاداتهم وعقائدهم، وما

أعظم ما تركا من ذلك، فإن الذين عولجوا فيهما يعدون بالألوف، ولعل مصلحة

الصحة تذكر ذلك، وقد كانت أحق بهذا العمل منه غير أنها سكتت ولا تزال ساكتة

حتى مل الانتظار ونفذ الصبر.

إن اللجنة تعلم علما يقينيا أن التعليم وحده لا يصلح النفوس، فقد نقلت في

الفقرة (21) عن المستر لكي قوله: أجل إن التربية العقلية المحضة لا تحدث

تغييرا أساسيا في خلق الرجال، وتعلم أن الأمة لا تغير ما بها حتى تغير ما بنفوسها،

فلا بد للحكومة الرشيدة التي توصف بأن بينها وبين عامة الشعب (هوة لا تعبر)

من أن تسعى جد السعي في البحث عن العلاج الناجح لتغيير شعبها ما بنفوسه،

شعبها المخلص الذي ضربت له اللجنة مثلا الشعب الهندي؛ إذ نقلت في الفقرة

(19) من التقرير: وأعني بهم الملايين من الفلاحين الفقراء المساكين الصابرين

الأذلاء الصامتين.

وما تلك الوسائل النافعة؟ تلك الوسائل هي الإصلاح الفعلي كإنشاء

المستشفيات وترويق المياه وغيرها، لا النصائح القولية والأوامر الكتابية التي لا

تغير من نفس ولا تحيي من عمل، لقد آن للحكومة الرشيدة أن تعدل عن الخطة

العتيقة البالية، وهي الإمساك عن وسائل الإصلاح الفعلية خوف زيادة الضرائب،

ولو زيادة طفيفة تقدر بالمليم، وتعمد إلى خطة المعلم الماهر والمربي الحاذق،

فتكون مثالا حسنا في الإصلاح لشعبها، فتأخذ بنصره أخذا صحيحا إلى منازل

النفع الحقيقية في الجسم والنفس والعقل من أقرب الطرق وأقومها، وألا تظن أن

نشر التعليم الأولي يكفي وحده لهداية الشعب وإرشاده إلى وجوه الإصلاح وحضه

عليها من غير أن تقوم هي بالأمثلة العملية منها فتوفى نصيبها من الإصلاح حقه؟

إنها إن ظنت ذلك وعولت عليه في كل ما تريد من وجوه الإصلاح على

التعليم الأولي وحده، وركنت إليه وألقت العبء كله عليه، خابت الآمال وضاع

الوقت سدى.

***

التعليم الأولي والعالي

علم الحاكمين وجهل المحكومين

نقد الفقرات 2 و24 و125

استكثرت اللجنة في الفقرة (125) [2] من التقرير ما ينفق على التعليم العالي

بجانب ما ينفق على التعليم الأولي، وأنكرت الفقرة (24) [3] من الخطة التي

انتهجتها الحكومة المصرية - وهي متبعة في عهد المرحوم محمد علي باشا واضع

أساس النهضة الحديثة لمصر ورافع لوائها - بتعليمها الطبقة الراقية للأمة التعليم

العالي قبل تعليمها عامة الشعب (التعليم الأولي بلا شك) وعدت عملها هذا عملا

مقلوبا، وضربت لذلك مثلا قول السير كلنتن دوكنز في الفقرة (2) [4] : إن التعليم

الأولي في مصر شبيه بهرم مقلوب رأسه إلى أسفل.

فكان هذا الاستكثار من اللجنة مع ذلك الإنكار المقرون بهذا المثال نصالا حادة

تتناولها الحكومة إذا شاءت ومتى شاءت لتخز بها التعليم العالي، وأدلة واضحة جلية

على أن الأقاويل والآراء التي نقلتها اللجنة إلى تقريرها عن كبار المستعمرين قد

تركت فيها أثرا جعلها ترى التعليم العالي بعين أجنبية لا تستطيع أن ترى بها محل

الحاجة وموضع النفع.

وإن من يحسن الظن باللجنة كل الإحسان - مثلي - لا يجد لها فيما يتلمس

من المعاذير إلا عذرا واحدا، وهو ما يخيل إلى المفكر في أول الأمر من أن البدء

بتعليم الولد الصغير التعليم الأولي، ثم التنقل به بعد ذلك في مراحل التعليم الأرقى

موافق سنة النشوء والارتقاء، أجل إن ذلك حق واضح، لكن لا بد معه للولد من

وصي رشيد يقلبه كيف يشاء، وينقله من حال إلى حال كما يريد، وإن ذلك الوصي

الرشيد يجب أن يكون منه؛ ليكون أخبر بحاجاته ومنافعه ومضاره.

وإن الأمة لكذلك يجب أن يكون فيها ومنها ناس كبار العقول يقودونها إلى

السعادة ويرفعونها إلى أوج العظمة، لذلك كان تعليم طبقة راقية من الأمة علما راقيا

قبل تعليم عامة الشعب العلم القليل موافقا لسنة النشوء والارتقاء في الأمم، وقد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٩٧