تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ضرب لنا التاريخ أمثلة كثيرة قديمة وحديثة دالة على أن أمما كثيرة نهضت من

عثارها، ونشطت من عقالها بأفراد منها، فالعناية بتكوين أفراد أفذاذ في الأمة

تكوينا فائقا أحق وأولى بالتقديم من تعليم عامة الشعب تعليما أعظم ما يقال فيه: إنه

أولي.

هذا ما نراه ونشعر به، ولم يسعدنا الحظ قط بأن سمعنا أو قرأنا أن أمة

بأسرها أمسكت عن التعليم العالي جملة حتى تعلمت كلها التعليم الأولي، ثم أخذت

بعد في أسباب التعليم العالي، وإن أوتيت أوصياء حكماء رحماء بصراء أقوياء من

الأجانب.

على أن التعليم العالي لا يزال جنينا في بلادنا، فأين بضع مدارس أميرية

عالية تدرس فيها بعض العلوم العالية من جامعات كبيرة تدرس فيها كل علوم البشر،

مع أن العلم الذي يدرس في مدارسنا العالية لم يكن له في البلاد من أثر ظاهر

نافع إلا ما كان من علم الطب.

لقد كان للجنة التي رأت حاجتها الشديدة إلى النظر في التعليم بوجه عام

(انظر آخر فقرة 1) أن تفتش عن حل آخر لإمكان تفرغ الحكومة للتعليم الأولي،

ذلك بأن ترى مثلا أن في وسع الحكومة ضم مدارسها العالية إلى مدرسة جامعة،

وتأليف مجلس إدارة لها يؤلف من رجال الحكومة والأمة، وأن تشترك الحكومة

والأمة معا في النفقة عليها على نحو الخطة التي خطتها للتعاون بين الحكومة

والهيئات النيابية في التعليم الأولي، فيكون دراجة لنقل التعليم العالي كله من يد

الحكومة إلى يد الأهالي، فتتفرغ الحكومة كل التفرغ للتعليم الأولي، ولا تشغل

نفسها بجامعة لها كما جاء في الفقرة (130) .

أما الهوة السحيقة التي لا تعبر بين المحكومين والحاكمين كما ترى اللجنة في

الفقرتين (14 و15) فالذي حفرها إنما هو التربية المدرسية لا العلم ذاته، فإن

الولد الذي ينتزع من حضن أمه وأبيه، وينزع عنه زي بلاده، ويلبس الزي

الغربي، ويدفع إلى مدارس قد صبغت بالصبغة الغربية فقرة (2) وفقرة (88)

فيعمر فيها طويلا لا تقع عينه فيها إلا على كتب سداها ولحمتها الروح الغربي

ومعلمين غربيين، أو ممن خلعوا عنهم رداء الوطنية الصحيحة من قبل، فيشب

على عادات وأخلاق تزهده في أمه وأبيه وسائر معاشريه كما تقول اللجنة في الفقرة

(17) وتبعث فيه الغرور بنفسه، وأما أبعد الشقة وأعمق الهوة بينه وبين أهله لو

أتيح له أن يتم الدراسة في الغرب فيقيم فيه ردحا من الزمن يفقد فيه لضعفه البقية

الباقية له من سجاياه الوطنية حتى المحمودة منها.

هذه الحال نشاهدها كل يوم في أكثر الشبان والشواب، وقد نسوا جميعا

معارفهم وعلومهم، وبقي لهم من طرق التربية المدرسية أسوأ ما فيها وأردؤه،

فليست الهوة السحيقة البعيدة الغور بين الطبقة الراقية من المتعلمين وبين عامة

الشعب من تفاوت بينهم في العلم، بل من نقص في تربية الطبقة الراقية النفيسة

التي شوهت بتربية لا تلائم تقاليدنا وأمزجتنا وعاداتنا وحسبنا، دليلا على ذلك ما

نجده فيمن يتخرجون في مدرسة المعلمين الناصرية ويرسلون إلى أوربا بعد أن

يكونوا صبغوا بصبغة وطنية محضة، فإنهم يعودون وهم إلى آلهم وعاداتهم

وتقاليدهم أقرب منهم إليها قبل أن يغادروا بلادهم؛ لأن العلم وسعة العقل والمدارك

من شأنها أن تنزع من نفس العاقل الوساوس والأوهام والخطأ الذي يدفع بكثير من

ناقصي العلم والمدارك إلى استصغارهم أوطانهم وآلهم، وإكبارهم الغرباء وكل ما

هم عليه لسبق أحرزوه في شيء من العلم والمدنية، حتى تعمى عليهم الحقائق،

ويخلط عليهم الحابل بالنابل، ويلبس الحق بالباطل.

هذا هو السبب الحقيقي في الهوة بين الطائفتين، لا العلم العالي الذي تخشى

اللجنة انتشاره قبل التعليم الأولي، وإنا لنرجو بعد ذلك أن يكون هذا الخوف قد زال.

حضرت مرة مجلسا جمعني بفتى ظريف، وبأبيه وعمه وطائفة من أقربائه،

وكان هذا الشاب في زي ظريف، ويحمل عصا ونظارة ودبوسا كلها من ذهب،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٩٨